الشباب على الهامش والعواجيز في المتن: خطيئة التهميش

الناظر في الخارطة المجتمعية الفلسطينية اليوم، ما بين القمة والقاع، سيجد عواجيز في القمة، القمة الرسمية، القمة المدنية والأهلية، القمة الأكاديمية، وكل القمم، في تجلٍ لطبقية راسخة معيارها السن، بهذا يمكن اختزال الكفاءة والخبرة والمعرفة والحكمة. وفي المشهد الأدنى شباب كفؤ على امتداد واسع يحاول تلمس طريقه وسط الضباب والإحباط المنتشر.

 تبدو هذه البلد مثل “عمارة” سكنية توشك على الانهيار على كل من فيها، والكل عالق، لا يستطيعون إيقاف الانهيار ولا الخروج منها 

نعيش هنا، أي في فلسطين، في العام 2020 سيء الصيت والطالع واحدة من أصعب السنوات، لقد كانت سنة صعبة على العالم، لكنها أصعب علينا بحكم المهددات المتقاطعة. تتعالى مهددات وجودية في كل السياقات، من الناحية السياسية هناك “صفقة القرن” يرافقها “مخطط الضم” الذي يسعى من خلاله تحالف اليمين “نتنياهو – بني غانتس” لتحويل الاحتلال من مؤقت لدائم، وشرعنة سرديات القوة، عبر حكومة أطلقت عليها أوساط إسرائيلية (حكومة الفساد والضم) برؤية استعمارية عنصرية تراكم في سجل الانتهاكات ضد المدنيين الفلسطينيين، بدءًا بالقتل والإعدام الميداني، مرورًا بتقييد الحق في الحركة ومنعه، وليس انتهاءً بهدم منشآت الفلسطينيين أو مصادرتها أو إخلائها منشآت رسمية وتعليمية وترفيهية ودينية وسياحية وطبية وزراعية وتجارية وصناعية، من مركز لعلاج مصابين فايروس كورونا إلى حفر امتصاصية، في عام يستحق بجدارة أن يطلق عليه “عام الجرافات”. وهي انتهاكات مرشحة للارتفاع مع تزايد وتيرة إنفاذ اليمين خططه في ضم أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية، طبعًا، ضم الموارد لا السكان.

أما على المستوى الاجتماعي، يتراجع السلم الأهلي وتنتشر فوضى السلاح، جرائم قتل ضد نساء وأطفال وآخرين، ذكور يسقطون ضحايا لشجارات تستخدم فيها الأسلحة، عدا عن ضحايا إطلاق النار في الأعراس والمناسبات، بالرغم من التناقض الإشكالي بين الفوضى والفلتان الأمني من جهة وانتشار الأجهزة الأمنية المكثف غير المسبوق من جهة أخرى، نتيجة تفشي فايروس كورونا، وهو تهديد صحي يمكن اعتباره ثالث الأزمات المهددة تعاني الأطر الرسمية في ضبطه لعوامل متعددة لا مجال لذكرها، ليس أقلها غياب السيطرة على المعابر وحركة العمال، وليس أكبرها ثقافة مشككة في وجود الفايروس تستقي من نظرية “المؤامرة” وتنتشر وينتشر معها الفايروس أمام تشوه أو انكسار بات يمكن تلمسه بوضوح يصيب الوعي الجمعي. 

وكورونا مصائبها لا تأتي فرادى، تضرب الجائحة الاقتصاد الفلسطيني الهشّ أساسًا والذي يعاني تحت وطأة اقتطاع أموال المقاصة في مقتل، قطاع رسمي عاجز عن دفع الرواتب بانتظام، وقطاع خاص عاجز ومشلول عن دفع الأجور والتوظيف، وتضاعف غير مسبوق لنسب الفقر والبطالة، وفوق كل ذلك، قطاع أهلي يترنّح من أزمة التمويل سيما بعد جدلية التمويل الأوروبي المشروط الذي يأتي في سلسلة ممتدة من الضغط على المؤسسات الأهلية الفلسطينية كنتائج لمقدمة رئيسية هي التحريض الإسرائيلي على آخر القلاع الرقابية بعد حل البرلمان الفلسطيني تتويجًا لتعطيله الأسبق، ومظلة القيادات المحلية التي قد تحول دون أي “أسرلة” إن غابت القيادة الرسمية والحزبية أو جرى تغييبها، ومصدر “وجع الرأس” الحقوقي للسلطة القائمة بالاحتلال في المحافل الدولية والمنصات الحقوقية. 

لا تبادر أي جهات رسمية أو حزبية أو مدنية لوضع بديل وحلحلة المشهد، في سياق يغلب عليه رد الفعل العشوائي الانفعالي العابر

أمام كل هذا المشهد المعقد، والذي يزيد من تعقيده الشعور المتزايد في الشارع الفلسطيني بانتشار ممارسات الفساد، وقمع الحريات العامة، لا تبادر أي جهات رسمية أو حزبية أو مدنية لوضع بديل وحلحلة المشهد، في سياق يغلب عليه رد الفعل العشوائي الانفعالي العابر في أحسن الأحوال أو الاكتفاء بلحظة ترقب مريبة للانهيار ومراقبة صامتة لهذا التداعي العريض، وبكثير من الإحباط يحاول جيل شاب متعلم وحيوي ولد في زمن الانقسام الرديء وعاش ويعيش فيه، ولم يمارس حقه بالانتخاب أو المشاركة السياسية أو تولي المناصب العامة الاستمرار. 

إحصائيًا تقول أرقام العام 2020 التي لم يعد هناك من يسعى لتحليلها، إن 22% من المجتمع الفلسطيني من الفئة العمرية (18-29) سنة، بعدد يبلغ 1.14 مليون. وأن 72% من الأسر الفلسطينية لديها شاب واحد على الأقل، وأن نصف الشباب ليسوا في دائرة العمل أو التعليم/التدريب، وأن البطالة تقترب من 40% بين الشباب وتتمركز بين حملة الدبلوم المتوسط فأعلى، مؤشرات تتناقض مع نسبة أمية شبه متلاشية تصل إلى 0.7% وهي نسبة تقارب – للسخرية – نسبة الشباب الفلسطينيين العاملين في مراكز صنع قرار، سواء كمشرعين أو موظفي إدارة عليا والتي تبلغ 0.9% في فجوة مع حضور الديمغرافيا الطاغي ومع منطق التنمية والتغيير والنهوض. 

تاريخيًا، الثقافة الذكورية لم تقمع النساء فحسب، بل الأصغر سنًا، مرتكزة على شعارات تمييزية ضاربة في العقل الجمعي “اسكت خلي الكبار يحكوا”. وكثيرًا تقول الأرقام دون أن تجد الآذان التي تسمع قولها. 

 المشكلة ليست في إيجاد الحلول بل في إنفاذها، وأن أزمة الإنفاذ هي أن العواجيز في المتن يتسيدون الأفق ويسدونه والشباب على الهامش 

على طاولة بعيدة في مكان عام بمدينة رام الله، جلس خمسة شباب، تصادف أنهم من القطاع الرسمي (المدني والأمني) والخاص والأهلي، ناقشوا قضايا البلد وتفاعلات أزمتها، ناقشوا الحلول والرؤى الممكنة للتغيير والسيناريوهات، واتضح لكل منهم أن المشكلة ليست في إيجاد الحلول بل في إنفاذها، وأن أزمة الإنفاذ هي أن العواجيز في المتن يتسيدون الأفق ويسدونه والشباب على الهامش، دون أن يقرأ العواجيز إما لعدم الرغبة و/أو لعدم القدرة مؤشرات تململ الشباب من هذا البقاء الإجباري في الهامش، صحيح أنه قد لا يمكن التنبؤ بالتغيير، لكن جذوره تمتد عميقًا ولن يطول الوقت قبل أن تظهر. 

تبدو هذه البلد مثل “عمارة” سكنية توشك على الانهيار على كل من فيها، والكل عالق، لا يستطيعون إيقاف الانهيار ولا الخروج منها. لعل شبابها ينتظرون الانهيار كي يمارسوا إعادة البناء عبر الهدم – إن نجوا – فالأقوى من يصنع لحظة الحاضر، لكن الأفضل من سيصنع لحظات المستقبل.

من هو المجتمع المدني.. كي لا تستمر الخيبات

إذا كنت تقرأ هذا المقال للوصول إلى إجابة ينصحك كاتبه أن تقلب الصفحة ولا تضيع وقتك، ذاك أنه يعتقد أن طرح السؤال حرية فوضوية فكرية أهم من الجواب القيد والنظام واكتمال الصورة، ولعل هذه طريقة لفلسفة العجز عن الوصول إلى نتيجة وتبرير له بغلاف المعنى، فليكن.. لكن الإجابة ليست بسيطة كالسؤال، كيف تكون وأصعب الأسئلة هي تلك التي تبدو الإجابة عليها سهلة للدرجة التي لا تستحق فيها طرح السؤال التسطيحي على الرغم من وجوديته، من نحن؟ ماذا نريد؟ ماذا نفعل هنا؟ أما السؤال المدني الجدل والوجودي في حيز أضيق من الإنساني – أي العنوان – فيزداد اتساعا كلما فكرت فيه كهاوية، وهو ما يحتاج منك العودة للصيرورة التاريخية للإمساك بحذر بأطراف مقاربة الإجابة قدر المستطاع.

في الحالة الفلسطينية التي ليست كشيء قياسا مع غيرها من الحالات، المشبعة بالتعقيدات والتسارعات المتفاعلة في واقع دينيماكي التحول يكاد يُسقط كل ثابت، قاد المجتمع المدني الشعب الفلسطيني عبر مراحله النضالية في معاركه الوجودية التناقضية مع الاستعمارات، مؤسسات أقدم من تأسيس السلطة الوطنية وحتى منظمة التحرير وسابقة بسنين طويلة لتاريخ استحداث المؤسسات الفلسطينية الرسمية الهشة التي لم تنجح حتى الآن في مأسسة نفسها وغرس جذورها بصلابة، مجتع مدني أبعد من الدولة وأعمق وأكثر قدرة على البقاء في صراع البقاء المستمر، شكل أطر قيادية بديلة وطريقة المدنيين الفلسطينيين في استحداث ممثليهم وشعورهم بالذات الوطنية المهددة.

لكن الثمانينات وما بعدها شكلت نقطة التحول الأبرز في الهوية والممارسة المدنية، لقد نقل منظري اليسار الراديكالي تجاربهم الحزبية الفاشلة للمؤسسات التي أطلقوها، وكانت تلك طريقتهم في إيجاد مكان لهم تحت سماء أوسلو بعد أن غابت شمس الشيوعية، مرة وللأبد، وكلما كانت الأحزاب تغيب في الظل كان غيابها ذاته من يغذي مؤسساتها، باعتبارها أداة الحزب المتبقية، وهكذا ومع الوقت حلت المؤسسة مكان الحزب والممول مكان الأيدلوجيا والمكتب مكان المطرقة والمنجل، لكن الذي لم يتغير القدرة المذهلة على الرفض المبدئي ثم التفكير، لا العكس، فالأصل في الموقف وأي موقف قول لا ومن ثم يمكننا أن نفكر في صوابية الرفض من عدمها.

في نقد النقد، تبدو التركيبة الأوسع اليوم واضحة، يحتفظ فيها كل بموقعه ويتموضع في ضلع ما، الضلع الأول: الإسلاميين واليمين الأيدلوجي في رياض الأطفال والمدارس والجامعات والمساجد، هناك حيث يتشكل الوعي التهديد، الرافض للآخر والمنتفخ بالذات مالكة الحقيقة المطلقة، ويتأهب للمعركة، الضلع الثاني: المؤسسات الرسمية وصناعة القرار ورسم السياسات والاستراتيجية والحكم حيث فتح، وعلى الهامش اليسار في أصغر الأضلاع وآخرها يمارس هوايته الأزلية بالنقد واللا الرافضة دون بديل، اللا التي هي ذاتها صارت الغاية عبر مؤسسات المجتمع المدني – أدوات الحزب الجديدة – التي أفرزتها متطلبات الثمانينات وما بعدها.

مع الوقت تحول المثقفين إلى نخب، فئة متقوقعة على ذاتها منعزلة عن الشارع وأبعد عن الجماهير، تستخدم اسم الجماهير وليست منهم، نخب يقتلها اسمها ومن الأسماء ما قتل، وبدل أن تعمل على تفتيت الطبقة أعلنت عن نفسها طبقة بديلة للطبقة، تنحاز للفقراء وتُسيد نفسها عليهم، أخفض من الحكم وأعلى من الفقير في المنتصف من الهرم، يتسيد عليهم رجل الحكم فيعلنون أنفسهم سادة الفقراء، في سلسلة قهر طويلة، لقد نسيت الطبقة المستحدثة أن الفقير، ذاك الذي يراها من الشارع وهي في مكاتبها، يراها طبقة ولا يهمه أكان خطابها معه أم عليه، فما قيمة الخطاب في وجه الفعل السلبي وزمن المصالح الصامتة؟

من هو المجتمع المدني، ذاك سؤال الحاضر الفارض لنفسه بوقاحة ملحة، الحاضر الذي لا يوجد فيه برلمان منتخب وينتمي كاتب هذا المقال لجيل يكاد ينسى معنى أن تكون ناخب، تسترجع الذكرى كشريط بعيد من زمان آخر غير هذا الزمان، شيء ضبابي حدث في البعيد، أو كتنظير تسمع عنه ولا تمارسه يجري في مكان آخر لشباب بلد آخر، الحاضر الذي يعاني الشارع فيه من إحباطه الأكبر ربما على مدار عقود، الحاضر الذي فقدت الأحزاب فيه هيبتها وقدرتها على الحشد والتجنيد والتعئبة وتقديم الخطاب وتحريك الشارع، والحاضر الذي دُفع فيه الشباب إلى زوايا المقاهي وأفق منصات التواصل الاجتماعي الأوسع من فقاعات المدن وأعلنوا إلحادهم بكل الزعامات عبرها، والذي يبدو فيه السؤال ملحاً أكثر من أي وقت مضى، من هو المجتمع المدني؟ بديل للدولة؟ عدو لها؟ دكاكين؟ أجندة ؟ معارضة؟ نخبة ؟ أم شريك؟
كان من المفترض للمجتمع المدني أن يكون مبدأيا وموقفياً وإن بشكل براغمياتي، لكنه صار برامجياً ينتفخ بهم أكبر، لا  مصلحة الناس المهمة، بل التمويل، تلك الجملة الذهبية لتبرير ما لا يمكن تبريره وتحويل البوصلة عن كل هدف وغاية، مواقف متناقضة ومتغيرة ومتبدلة بمرونة متخبطة لا تعكس أي رؤية، وفهم صفري للعبة بين مكونات ذات المجتمع المدني، الرقعة بين الآنا والآخر إما أنا وإما هو، في توليفة مولدة لقناعة متوهمة عن تضارب مصالح وهم، “نجاحه فشل لي وفشله نجاح لي” ويا للغرابة حين يكون كلاهما يقاتلان لنفس الهدف والمنطلقات، توليفة تمزق المجتمع المدني من الداخل كما لا ينجح أي شيء آخر في أن يفعل.

لم تنجح محاولات الأطر الرسمية السيطرة عليه، ولا تعديلات تشريعية وتضييق في البيئة القانونية، ولا سعي الاحتلال لإغلاقه وملاحقة نشطاءه، ولا الراصد الإسرائيلي الذي يقدمه للأوربيين أنه لا سامي ويراقبه عن كثب ويتصيد له ما يخطئ ما لا يخطئ فيه من عين السامية المتوسعة، ولا شُح التمويل، شيء وحيد فقط من الممكن له تدمير المجتمع المدني، هو المجتمع المدني نفسه، في لعبة يبدو فيها زر التدمير الذاتي الخيار الوحيد الممكن  لإنهاءها.

بعد عشر سنوات من انخراطي في المجتمع المدني وكواحد من أصغر نشطاءه، ما زال السؤال نفسه يتكرر، من هو المجتمع المدني؟ ولعل الإجابة الممكنة، هو نحن، هو كلنا، بخطايانا قبل صوابنا، وضعفنا قبل قوتنا، وإنسانيتنا قبل مبادءنا، لكنك لا تملك الأخلاقية أن تطلب من أحد غيرك أن يكون أفضل ما لم تكن كذلك، ولأن غروب مرحلة لطالما كان في ذهني إشراق أخرى، وانحسار ظاهرة ولادة جديدة لأخرى، مخاضنا القادم يجب أن يكون جبهة مدنية هي الأعرض في تاريخنا الحديث تنطلق من مرجعية الحقوق والحريات المدنية، ومن مصلحة المواطنين، تتجاوز أحزابها ورموزها، وتنتمي للمهمشين وتعيد لهم الثقة، وتسد الفراغ الذي تركه غياب البرلمان المنتخب وأي انتخابات حتى عودتها – إن عادت –  بالذات مع غياب الخطاب والرموز والهياكل الحزبية، جبهة مدنية تعيد تعريف النخب، كل النخب، وتتفق على المرجعيات، وعلى دستور العمل المدني، وننطلق في هدف واحد، إصلاح النظام السياسي، أو نضغط زر التدمير الذاتي، وننتظر جيل آخر.