قرار ادعاء المحكمة الجنائية الدولية حول جرائم حرب إسرائيل .. الأسئلة الفلسطينية وأجوبة نظام روما الأساسي

يأتي هذا التقرير الخاص حول قرار ادعاء المحكمة الجنائية الدولية نية فتح تحقيق في جرائم حرب ارتكبت أو يتم ارتكابها من قبل السلطة القائمة بالاحتلال – إسرائيل في الأراضي الفلسطينية بعنوان “الأسئلة الفلسطينية وأجوبة نظام روما الأساسي” في توقيت تظلل فيه المشهد حالة من الضبابية والترقب حول تبعات القرار الهام وآثاره، وهو القرار الذي صدر حديثاً على لسان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السيدة فاتو بنسودا. يحاول التقرير حصر أبرز الأسئلة وفقاً لما هو متداول في السرديات الفلسطينية ومقاربة الإجابة عليها باعتماد نظام روما الأساسي كركيزة.

مقدمة

يتبادر إلى الذهن العديد من الأسئلة عند الحديث عن إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا في 20 ديسمبر 2019 اعتزام الادعاء نية فتح تحقيق جنائي رسمي كاملاً في جرائم حرب محتملة تم أو يتم ارتكابها في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.

هذا القرار يأتي بعد دراسة أولية تم البدء فيها قبل حوالي أربعة أعوام وهو ما قالت بنسودا أنه كان تقييم شامل ومستقل وموضوعي وفحص تمهيدي استوفى كافة المعايير القانونية بموجب نظام روما الأساسي، ومع أن دولة فلسطين هي التي قدمت الإحالة وبالتالي ليس هناك حاجة لإذن من الدائرة التمهيدية قبل فتح التحقيق إلا أن الخطوة الأساسية الحاسمة في إعلان بنسودا هي الطلب من الدائرة التمهيدية للمحكمة إصدار حكم إضافي بشأن الولاية القضائية الإقليمية للمحكمة في الأراضي الفلسطينية، نظراً “للقضايا القانونية والوقائعية الفريدة والمتنازع عليها بشدة والمرتبطة بوضع المنطقة التي يمكن إجراء التحقيق فيها” بالاعتماد على المادة (19) البند (3) من نظام روما الأساسي. وهو “سؤال تأسيسي” يجب أن يقرَر بأسرع ما يمكن لصالح الضحايا والمجتمعات المتأثرة والشهود المحتملين واحتياجاتهم وواجباتهم المتعلقة بالحماية ولتوفير الوضوح للدول المعنية. القيادات والمؤسسات الرسمية والمدنية الفلسطينية رحبت بالقرار واعتبره الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم عظيم. فيما هاجمت الماكينة الإعلامية الإسرائيلية المحكمة وشخص المدعي العام واعتبره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوماً أسوداً في تاريخ العدالة والحقيقية. الورقة التالية تفكك التساؤلات بعد القرار وتحاول مقاربة الإجابة عليها بالارتكاز على فهم نظام روما الأساسي – بمثابة دستور المحكمة الجنائية – وفي إطار خصوصية الحالة الفلسطينية الشائكة التي تتكثف وتنساب في سياق استعماري يقابله فعل تحرر وطني.

1- ما هي المحكمة الجنائية الدولية؟

محكمة دولية دائمة مستقلة يقع مقرها في لاهاي بهولندا دون أن يحول ذلك بينها وبين عقد جلساتها في مكان آخر متى ما رأت المحكمة ضرورة ذلك، جرى تأسيسها بموجب نظام روما الأساسي في العام 1998 الذي وافقت عليه 120 دولة في حين عارضت الفكرة 7 دول وامتنعت 21 عن التصويت في اجتماع للجمعية العمومية للأمم المتحدة في إيطاليا، دخل النظام حيز النفاذ في العام 2002. تهدف المحكمة إلى محاكمة ومعاقبة الأفراد المتهمين أو المحكومين بارتكاب أشد الانتهاكات وأخطر الجرائم في القانون الدولي الإنساني وهي أربع جرائم:

• جرائم الإبادة الجماعية.
• الجرائم ضد الإنسانية.
• جرائم الحرب.
• جريمة العدوان.

كما من المهم الإشارة إلى أن المحكمة تستطيع نظر قضايا أشخاص ارتكبوا الجرائم اعلاه مباشرةً أو بشكل غير مباشر مثل المسؤولية عن الإعداد أو التخطيط، أو مسؤولية التغطية على الجرائم أو التشجيع عليها. بلغ عدد الدول المصادقة على نظام روما (124) حتى العام 2016، فيما بلغ عدد الدول المنضمة إلى الاتفاق بشأن امتيازات المحكمة وحصانتها (74) عند ذات التاريخ. وهي جهة مستقلة عن الأمم المتحدة من حيث التوظيف والتمويل على الرغم من منح ميثاقها بعض الصلاحيات لمجلس الأمن. تعتمد المحكمة في عملها عدة لغات من ضمنها العربية إلا ان لغات عمل المحكمة الرسمية الإنجليزية والفرنسية، وتتكون هيكليتها من:

• رئاسة: تتولى شؤون المحكمة العامة وتضم ثلاث قضاة منتخبين من الهيئة القضائية لولاية مدتها ثلاث سنوات.
• شعبة قضائية: تتكون من 18 قاضي متخصص في القانون الجنائي والقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
• مكتب للمدعي العام: يتولى مهام التحقيق في الاتهامات بالجرائم التي تدخل اختصاص المحكمة والبحث عن الأدلة والوثائق والشهادات وفحصها وفقاً للمعايير المتبعة ومن ثم عرضها على المحكمة. مدة ولاية المدعي العام 9 سنوات غير قابلة للتجديد.
• قسم السجل: يتابع كل الأمور الإدارية غير القضائية، ورئيسه منتخب من قضاة المحكمة لولاية مدتها (5) سنوات.

2- هل من حاجة أو فائدة للمحكمة الجنائية الدولية؟

ارتكبت مجموعة من أبشع الجرائم في التاريخ أثناء الحروب والنزاعات المسلحة سواء الداخلية أو الدولية، مست بشكل أساسي المدنيين/ات والأعيان المدنية، وكانت من أشخاص نافذين سواء قادة سياسيين أو عسكريين، وقد مكن الوضع الرفيع لهؤلاء القادة في دولهم على الإفلات من العقاب، ما خلق حالة من العدالة الانتقائية وأفقد الثقة لدى شرائح واسعة بالقانون الدولي وأدواته، وبالمقابل شجع مجرمين على ارتكاب الجرائم دون اكتراث بملاحقة أو عقبات، وهي الدوافع والظروف التي قادت إلى إنشاء المحكمة. لكل ما سبق وبالذات في السياق الفلسطيني الذي تمارس فيه السلطة القائمة بالاحتلال “إسرائيل” جرائم منذ سنوات طويلة على كل المستويات، وفي الوقت الذي يغض فيه العالم الحر الطرف عن هذه الجرائم أو يمارس النقد ضدها على خجل لاعتبارات اقتصادية أو مصلحية سياسية أو تحالفية أو عُقد شعورية بالذنب نتيجة تاريخ أوروبا المظلم ضد اليهود في بعض المحطات، تبرز أهمية إعمال أدوات القانون الدولي وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية في الحالة الفلسطينية، سيما أنها انتهاكات مستمرة.

3- ما هي طرق إحالة الدعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية؟

هناك عدة طرق لإحالة الدعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية وهي على النحو التالي:

أ‌- يحق للدول الأطراف في نظام روما أن تتقدم بطلب للمحكمة لفتح تحقيق في جرائم معينة، دولة فلسطين باعتبارها منضمة لنظام روما قامت بإحالة ملف الجرائم الإسرائيلية للمحكمة بتاريخ 22/5/2018.

ب‌- يحق لمجلس الأمن أن يطلب من المحكمة إجراء تحقيق في قضية معينة وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، باعتباره يعمل على حفظ الأمن والسلم الدوليين، كما يحق له أن يطلب تأجيل التحقيق 12 شهر قابلة للتجديد وفق المادة (16) من نظام روما الأساسي. وهو تحدي أمام الملف الفلسطيني من الممكن تجاوزه بعلاقات متينة بالاعتماد على الصين وروسيا.

ت‌- يحق للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أن يبادر من تلقاء نفسه بفتح تحقيق، ولكن يقتصر ذلك على الجرائم التي جرى ارتكابها من قبل مواطن دولة طرف في النظام أو على أراضي دولة طرف فيه.

4- ما هو نطاق اختصاص المحكمة؟

أ‌- على الصعيد الموضوعي: تختص المحكمة بأربع جرائم خطيرة هي الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، وجرائم العدوان.

ب‌- على الصعيد الزماني: تختص المحكمة بأثر فوري ومستقبلي ومباشر لا رجعي بالجرائم التي وقعت بعد 1/7/2002 أي بعد سريان نظامها، أما بالنسبة للدول المنضمة حديثاً للنظام فيسري اختصاص المحكمة وولايتها على الجرائم المرتكبة بعد انضمام الدولة فقط، ما لم تتقدم الدولة بإعلان يتضمن قبول منها باختصاص المحكمة على أراضيها قبل انضمامها. وهو ما قامت به فلسطين إذ قبلت باختصاص المحكمة بدءاً من 13 يونيو 2014 بأثر رجعي. ما يخرج الجرائم المرتكبة منذ العام 1948 وحتى العام 2002 من حيز النفاذ القانوني أمام هذه المحكمة مع بقاءه قائماً أمام غيرها من الهيئات القضائية.

ت‌- على الصعيد المكاني: تختص المحكمة بالجرائم التي تقع في إقليم كل دولة تصبح طرفاً في نظام روما بغض النظر إذا ما كان المعتدي تابع لدولة طرف أم غير طرف، لكن في حال كانت الدولة التي وقعت على إقليمها الجريمة غير طرف في المعاهدة؛ فلا يكون للمحكمة ولاية بنظر تلك الجريمة؛ إلا إذا وافقت تلك الدولة على ولاية المحكمة بشأنها، وهو إعمال لمبدأ نسبية أثر المعاهدات. من المفيد الإشارة هنا أن التحفظ على بعض بنود نظام روما غير جائز، فهي رزمة واحدة متكاملة.

ث‌- على الصعيد الشخصي: نص نظام روما على المسؤولية الجنائية الفردية، بحيث أن اختصاص المحكمة يطبق على الأشخاص الطبيعيين، فالشخص الذي يرتكب جريمة تندرج ضمن الجرائم التي تختص بها المحكمة يكون مسؤولاً عنها بصفته الفردية. ينبغي أن نفهم أن ذلك لا يحول دون مسؤولية الدول مدنياً وفق قواعد القانون الدولي عن الضرر الذي يلحق بالغير كنتيجة لأعمالها غير المشروعة، وبالتالي تقتصر مسؤولية الدولة على التعويض عن الضرر وفق المعايير وقواعد المسؤولية الدولية. ولا يدخل ضمن نطاق اختصاص المحكمة الأشخاص دون سن 18 عاماً وقت ارتكاب الجريمة، وهو ما يجعل نظام روما منسجماً مع اتفاقية حقوق الطفل. في إطار الاختصاص الشخصي أيضاً كان تطور لافت في قواعد القانون الدولي تقرير نظام روما المساواة دون تمييز بصفة رسمية للأشخاص في المسؤولية، رؤساء دول، رؤساء حكومات، رؤساء برلمانات، أو أي موظف رسمي معتبراً أن صفته الوظيفية لا تشكل ضمانة له لعدم المحاكمة أو عذر مخفف للعقوبة.

ج‌- مبدأ التكاملية: ورد في ديباجة نظام روما الأساسي أن المحكمة الجنائية الدولية ستكون مكملة للولاية القضائية الجنائية الوطنية، فما الذي يعنيه ذلك؟ يعني ذلك أن المحكمة الجنائية لن تكون بديلاً عن القضاء الوطني في الدول أو تحل محله، وإنما هدفها استكمالي، حتى في الجرائم التي تحمل الصفة الدولية فهذا غير كافي لامتداد ولاية المحكمة إليها، بل يجب أن تكون جرائم ذات صفة دولية وفي الوقت عينه من الجرائم الخطيرة التي نص عليها نظام روما، وبهذا يكون الاختصاص الأول للقضاء الوطني وما لم يباشر اختصاصه ينعقد الاختصاص للجنائية الدولية إذا ما كان القضاء الوطني غير قادر أو غير راغب في إجراء المحاكمة. وبالتبعية حتى لو كانت الجريمة مرفوعة أمام المحاكم الوطنية ينعقد الاختصاص للمحكمة الجنائية طالما أن الدولة ليس لديها القدرة أو الإرادة للبدء بالتحقيق وإجراء المحاكمة، ومن المهم التركيز هنا على بعض المحاكمات الشكلية التي قد تقوم بها السلطة القائمة بالاحتلال لسحب الاختصاص من المحكمة الجنائية.

5- ما القصة الفلسطينية في سردية المحكمة الجنائية الدولية؟

على مدار سنوات توجه الفلسطينيون إلى المحكمة الجنائية الدولية ضمن مسار طويل ورحلة بالغة التعقيد، بدأت القصة في يناير 2009 الذي شهد العدوان الإسرائيلي الأول على قطاع غزة، وزير العدل الفلسطيني الأسبق علي خشان أودع إعلاناً رسمياً لدى مكتب المدعي العام السابق لويس أوكامبو. طلب وزير العدل في حينها إجراء تحقيق في جرائم إسرائيلية ارتكبت خلال العدوان الإسرائيلي الذي حمل اسم “الرصاص المصبوب”. لكن مكتب الإدعاء قام برفض الطلب بحجة أن فلسطين ليست دولة وفق معايير القانون الدولي.

بعد ذلك الرفض بثلاثة أعوام – 2012- نالت فلسطين صفة الدولة المراقب غير العضو في منظمة الأمم المتحدة وامتنع المدعي العام عن التحرك باتجاه اخذ موقف من التغير في الصفة الدولية لفلسطين، طالباً أن يتم تسوية الأمر في الأمم المتحدة. مما أبقى ملف المحكمة الجنائية راكداً على ما هو عليه. إلى أن جاء العدوان الإسرائيلي الثاني في يوليو 2014 وتقدم وزير العدل الفلسطيني الأسبق سلام السقا بشكوى عبر محامي فرنسي نيابةً عنه نظراً لتعذر سفره من غزة حيث يقيم، إلا ان المدعي العام فاتو بنسودا ردت على الطلب بأن رئيس الدولة ورئيس الحكومة ووزير الخارجية هم فقط المخولون بالإعلان عن موافقة فلسطين على الامتثال لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

في العام التالي – يناير 2015- انضمت دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي وأعلنت عبر إيداع رسمي من وزارة الخارجية بموجب الفقرة (3) من المادة (13) قبول فلسطين اختصاص المحكمة بأثر رجعي بدءاً من 13/6/2014 بما يدخل العدوان الإسرائيلي الثاني على غزة في دائرة التحقيق والاتهام، لتبدأ المدعي العام فاتو بن سودا الدراسة الأولية للوضع في فلسطين.

كما قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإصدار مرسوم رقم (3) لسنة 2015 والذي يقضي بتشكيل اللجنة الوطنية العليا المسؤولة عن المتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية والتي كلفها بإعداد وتحضير الملفات التي سيجري تقديمها للمحكمة.

كان فارقاً في تاريخ الجرائم التي تقوم بها السلطة القائمة الاحتلال ما حصل في 15/5/2018 ضمن ما أطلق عليه مليونية العودة الكبرى في الذكرى السبعين للنكبة في قطاع غزة، إذ قتل الجيش الإسرائيلي في يوم واحد 61 مدني فلسطيني من ضمنهم 9 أطفال بما فيهم الرضيعة ليلى أنور الغندور (8 أشهر) نتيجة استنشاقها الغاز، ومسعف وشاب مقعد فيما أصيب أكثر من 2700 مدني/ة من بينهم 1000 بالرصاص الحي منهم 225 طفل و79 سيدة و13 صحفياً، فيما بلغ العدد الإجمالي للقتلى 251 مدني/ة فلسطيني في الفترة من 11/1/2018 – 28/12/2018 حسب الإحصاءات الرسمية لوزارة الصحة.

على إثر ذلك قدمت فلسطين رسمياً طلب إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية لملف الجرائم الإسرائيلية والحالة في فلسطين، ومن ضمن قضايا الملف العدوان على غزة، وجريمة حرب الاستيطان، وملف الانتهاكات ضد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. إلى أن جاء إعلان فاتو بنسودا عن انتهاء الدراسة الأولية والإحالة للدائرة التمهيدية لطلب قرار عن مدى انطباق نظام روما الأساسي على حالة فلسطين وتحديد الأراضي التابعة لهذه الدولة في ظل التعقيدات السياسية.

6- ما المتوقع أمام الدائرة التمهيدية – مرحلة ما بعد انتهاء الدراسة الأولية؟

يبدو هذا السؤال هو سؤال المليون دولار في الفترة الراهنة، لكن العديد من الشواهد قد تقودنا لمقاربة الإجابة وفق النتائج المتوقع أن يصدر ضمنها قرار الدائرة التمهيدية حول وضع الأراضي الفلسطينية، الشاهد الأول هو أنه قد تم قبول فلسطين كدولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة. وإلى العديد من المنظمات الدولية منها الإنتربول “منظمة الشرطة الجنائية الدولية”، والعضوية الدائمة في محكمة التحكيم الدولية الدائمة، ومنظمة الجمارك العالمية، ومنظمة اليونسكو وهي الأبرز بصفتها تتبع لمنظمة الأمم المتحدة في النقاش الجاري أمام الدائرة التمهيدية، وغيرها من المنظمات الدولية التي تشير إلى صفة فلسطين كدولة.

الشاهد الثاني انضمام دولة فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية نفسها، بانضمامها لنظام روما الأساسي وفق ما أشرنا إليه سابقاً، فضلاً عن جملة الاتفاقيات والمعاهدات المواثيق الدولية التي تؤكد هذه الصفة لدولة فلسطين. أما التحدي الحقيقي فهو أي مناطق سيقع عليها ولاية فلسطين الدولة في ظل وجود الاستيطان والتقسيمات الجيوسياسية لمناطق الضفة الغربية بما فيها القدس؟ وهو ما يجب على الدائرة التمهيدية أن تجيب عليه خلال 120 يوماً قابلة للتجديد 60 يوماً إضافية وبحد أقصى يصل (6) شهور. من المهم التركيز في متابعة قرار الدائرة التمهيدية المرتقب على الربط بينه وبين الصفة الدولية لدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران 1967 والتي على إثرها نالت دولة فلسطين كل هذه العضويات.

7- نظام معلومات لصالح الضحايا في فلسطين، ما الأهمية؟

بتاريخ 13/7/2017 أصدرت الدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية قراراً لقلم المحكمة بإنشاء نظام تحت عنوان “نظام خاص بالمعلومات وفعاليات التوعية على وجه السرعة لصالح الضحايا والتجمعات السكانية المتضررة في سياق الحالة في فلسطين”، مرفقاً بقرار إنشاء صفحة معلومات على الموقع الإلكتروني الخاص بالمحكمة مخصصة للضحايا في فلسطين. وكلمة فلسطين هنا تعني الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة. ما يعني أن الجنائية الدولية سبق لها فعلاً وأن مدّت ضمناً ولايتها لهذه الأراضي الفلسطينية، في شاهد آخر على ما يتوقع أن يتجه إليه قرار الدائرة التمهيدية إذ سيعتبر أي قرار مغاير منها تراجع وارتداد وتناقض دون أن تنفي هذه الشواهد إمكانية جدية لصدور هذا القرار المغاير. على الوجه الآخر أهمية هذا القرار بإنشاء نظام المعلومات تكمن في أنها تؤكد الدور الجوهري للضحايا في المحاكمات، وكونه ينشئ نظام للتواصل بين المحكمة والضحايا، دون أن نحمله ما لا يحتمل، فهو في نهاية المطاف لا يتخذ أي موقف صارم بل يتحدث في صيغته عن إبلاغ المواطنين/ات والضحايا وتوعيتهم بآلية عمل المحكمة وآلية تقديم الشكاوى إليها وضمن أي إجراءات ومعايير ينبغي أن يجري ذلك.

8- ما هي الأدوات الإسرائيلية في إعاقة التحقيق أو إيقافه؟

من حيث المبدأ إسرائيل دولة غير مصادقة على نظام روما الأساسي، ولكن هذا لا يعني أنها تستطيع التهرب من مسؤوليتها وفق هذا المبرر، بمعنى أن قبول إسرائيل باختصاص المحكمة أو عدمه لن يكون فارقاً في ظل قبول الدولة التي وقعت الجرائم على أراضيها بالاختصاص أي دولة فلسطين، وهو ما يؤكد مجدداً أهمية قرار الدائرة التمهيدية المرتقب.

مع هذا يمكن للسلطة القائمة بالاحتلال عرقلة العدالة برفض التعاون مع المحققين وهو ما حدث فعلاً في نوفمبر 2014 بمنع لجنة القاضي الكندي “شاباس” التي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بغية التحقيق في الانتهاكات والجرائم المرتكبة خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. لكن هذا قد يؤخر العدالة دون أن يتمكن من إيقافها بشكل كلي في حال توفر إرادة جدية لدى القضاة للمضي قدماً في التحقيق وصولاً للعدالة وإنصاف الضحايا.

من الأدوات المحتملة التي ستلجأ إليها إسرائيل أيضاً شخصنة الأمر بالنبش في ماضي القضاة وهو ما بدأ مع المدعي العام فاتو بنسودا لتشويه صورتها. واستخدام إسرائيل نفوذها الدولي للضغط باتجاه تأجيل التحقيق بطلب من مجلس الأمن لمدة 12 شهر قابلة للتجديد وفق المادة (16) من نظام روما باستغلال علاقتها الممتازة مع الإدارة الأمريكية النافذة جداً في المجلس.

سبق للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب أن توعد في نيسان 2019 المحكمة الجنائية الدولية علناً برد قوي إذا ما حاولت ما أسماه “استهداف” الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أياً من حلفاءها. ووصف المحكمة بغير الشرعية. وهي تصريحات أتت بعد أسبوع من سحب واشنطن تأشيرة دخول فاتو بنسودا نتيجة التحقيق في جرائم حرب محتملة من قبل الجنود الأمريكيين في أفغانستان. كما هدد جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق بفرض عقوبات على قضاة المحكمة. من الأدوات الإسرائيلية كذلك أن تقوم إسرائيل – على اعتبار أنه لا يشترط مصادقة الدولة على نظام روما الأساسي لرفع قضايا أمامها طالما قبلت ولاية المحكمة بصورة استثنائية إذا تعلق الأمر بجرائم ارتكبت على أراضيها ومن أشخاص ينتمون إليها – برفع دعاوى ضد الفلسطينيين. وهو ما يعزز المخاوف الفلسطينية من أن المحكمة الجنائية لن تختص فقط بالأعمال أو الجرائم التي ترتكبها سلطة الاحتلال، بل بكل ما وقع من انتهاكات في الأراضي الفلسطينية بغض النظر عن مرتكبها، مع التأكيد أن نقطة القوة الفلسطينية هنا تتمثل في حق تقرير المصير والدفاع الشرعي عن النفس الذي كفلته المواثيق الدولية فضلاً عن تركيز الفصائل في قطاع غزة بعملها على أهداف عسكرية وتجنبها تعمد إصابة مدنيين. دون أن نغفل التخوف الآخر من الضغط السياسي على القيادة الفلسطينية وباستخدام أدوات اقتصادية أصعب إذا ما وصل التحقيق مراحل جدية ومتقدمة، تشمل قطع ما تبقى من مساعدات مالية. بالإضافة إلى إثارة ضبابية الوضع الدولي لفلسطين وتضخميه من قبل خبراء القانون الإسرائيليين كمحور في المواجهة. واستباق تحقيق المحكمة الجنائية بمحاكمات وطنية إسرائيلية شكلية وصورية للجنود والضباط المحتملين كما سبق وجرى الإشارة إليه.

9- ما الفرص الفلسطينية في المواجهة واحتمالات الاستفادة؟

ينبغي للفلسطينيين بكافة فئاتهم سواء الضحايا أو أهاليهم، المؤسسات المدنية، المؤسسات الحقوقية والقانونية، المحامين، المؤسسات الرسمية، القيادة والفصائل السياسية العمل وبشكل مكثف وسريع على تقديم كل ما يلزم من معلومات للدائرة التمهيدية وإغراق المحكمة بمعلومات الضحايا التفصيلية والملفات المتكاملة، وبالذات منها تقارير الرصد المشفوعة بالقسم التي ترصدها المؤسسات الحقوقية ميدانيا وبالتعاون مع وزارتي الخارجية والعدل، وإبقاء القضية مثارة على مستوى الرأي العام المحلي والدولي بما يحول دون محاولات تعطيل الملف أو المماطلة فيه أو تناسيه باستخدام عامل الوقت.

على المستوى السياسي الفلسطيني ينبغي الاستفادة من العلاقات الجيدة نسبياً مع روسيا والصين بشكل مباشر أو من خلال الدول العربية والصديقة بما للدولتين من نفوذ ضاغط في مجلس الأمن للحيلولة دون استفادة إسرائيل من نفوذ الولايات المتحدة “الفيتو” في مجلس الأمن لتعطيل القرار بالتأجيل المستمر وفق المادة (16) من نظام روما.

من المهم أن تستفيد دولة فلسطين من فرصة انتخابها عضو في المكتب التنفيذي لجمعية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية للضغط بكل قوة باتجاه اتخاذ ما يلزم لقيام المحكمة بدورها الكامل. وهو المكتب الذي يتولى مهام الإشراف على عمل جمعية الدول الأعضاء في المحكمة وما يتضمنه ذلك من تعزيز مبدأ عالمية نظام روما وحث الدول غير الأعضاء على الانضمام للمحكمة، إلى جانب اتخاذ ما يلزم لضمان قيام المحكمة بالمهام المنوطة بها بموجب نظام روما الأساسي.

على الصعيد السياسي من الممكن للقيادة السياسية أن تستفيد من هذا الملف وتضغط عبره باتجاه مكاسب ذات علاقة بالأسرى أو تفكيك المستوطنات أو الحواجز او الانسحاب من الضفة الغربية مقابل تجميد الملف مؤقتا أو سحبه. كما يشكل قرار المحكمة إذا ما استكمل بإصدار الدائرة التمهيدية قراراً إيجابي حول الأراضي الفلسطينية معززاً للصفة الدولية وداعما لجهود الاستقلال والتحرر الوطني الفلسطيني وهو ما من شأنه إذا ما استكمل بتحقيق جدي يجلب المجرمين للعدالة وينصف الضحايا إعادة إقناع الفلسطينيين بأدوات القانون الدولي كوسيلة نضالية ما يعزز الاستقرار في كامل الإقليم. كما أن جبر الضرر يعني إزالته وعلاجه ووقف آثاره وفق القواعد الدولية، ما يوجب في حال صدور الحكم على إسرائيل وقف أعمالها غير المشروعة. عدا عن التعويض المادي عن الضرر عملاً بما جاء في اتفاقية لاهاي الرابعة ما يشكل مكسب اقتصادي محتمل.

10- العقوبات، سؤال المستقبل؟

لا يوجد عقوبة إعدام في نظام روما الأساسي. العقوبة القصوى التي قد يُحكم بها في المحكمة الجنائية الدولية السجن حتى 30 عاماً، أو السجن المؤبد مدى الحياة في الحالات القصوى، وفرض الغرامات، وحجز الأموال، ومصادرة الممتلكات والأصول. تتولى الدول الأطراف في نظام روما مسؤولية تنفيذ العقوبات المالية. ويجري تنفيذ العقوبات البدنية بالمنع من الحرية إما في مقر المحكمة في هولندا، أو عبر دولة تعينها المحكمة للتنفيذ. مع بقاء القدرة على التقدم بطلب نقل من دولة التنفيذ قائماً للمحكوم. وحتى في حال صعوبة أو تعذر التنفيذ، صدور أوامر بالقبض على مجرمين إسرائيليين من قبل المحكمة – الذي قد يحتاج سنوات قبل أن يتم – من خلال منظمة الإنتربول. وعلى شكل التزام على دول نظام روما البالغة حوالي 123 دولة سيجعل قادة الصف الأول عسكرياً وسياسياً في إسرائيل ملاحقين ومعزولين وفاقدين لإمكانية السفر لكل هذه الدول وأبرزها الأوروبية منها والتي تربطهم بها علاقات اقتصادية اجتماعية ثقافية وثيقة.

حرية التعبير تنتهي عندما تبدأ الكراهية: فوهات الغضب في مظاهرات فريقين

يتأجج الشارع الفلسطيني منذ 24/6/2021 على صفيح ملتهب ما بين فريقين غاضبين، اليوم الطويل المستمر منذ  أسبوعين والذي بدأت صبيحته ببيان مقتضب حول إعلان وفاة الناشط السياسي والمدافع عن حقوق الإنسان والمرشح السابق للانتخابات التشريعية “نزار بنات” على لسان محافظ الخليل، بات واضحاً أنه لم يعد من الممكن عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبله.

القاتل في توقيت هذه الحادثة أنها جاءت بعد فترة قصيرة من إعلان الرئيس الفلسطيني عبر مرسوم رئاسي عن تأجيل الانتخابات العامة، والتي كان يفترض لها أن تجري للمرة الأولى منذ سنوات طويلة على مستوى الرئاسة والبرلمان لتنهي سنوات من “التكَلس” السياسي. خلفّت حادثة التأجيل موجة من الاستياء الهادئ في الشارع الفلسطيني المحبَط والمحتقن، أمام ما استُشعر أنه خوفاً “فتحاويا رسمياً” من الهزيمة تم التذرع في تبريره بعدم موافقة “إسرائيل” السلطة القائمة بالاحتلال على إقامة الانتخابات في القدس الشرقية.

أسابيع أخرى، وتشهد الساحة الفلسطينية موجة من التصعيد، على إثر الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في مدينة القدس (حي الشيخ جراح وحي البستان – سلوان) على وجه الخصوص، محاولات التهجير القسري والتطهير العرقي للسكان في هذه الأحياء وهدم منازلهم، فجرت تصعيد عسكري إسرائيلي عنيف وواسع ضد قطاع غزة أوقع خسائر بشرية ومادية فادحة، لكنه في آن رفع من رصيد مشروع الإسلام السياسي الذي تمثله حركة “حماس” الغريم التقليدي لأصحاب الحكم في الضفة الغربية.

أمام هذه المعطيات، كان من الواضح أن مقتل “نزار بنات” سيتسبب في موجة غضب عارمة في الشارع الفلسطيني المحتقن بالأساس، وبالفعل، سرعان ما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتنديد والاستنكار الواسع، فيما تداعت المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية لإصدار بيانات ومواقف منددة بالحادثة وداعية للتحقيق فيها ومعاقبة الجناة. والأهم، انطلقت منذ اللحظات الأولى للإعلان عن الحادثة مظاهرات عفوية أبرزها في مدينة رام الله حيث مقر إقامة الرئيس الفلسطيني والثقل السياسي الرسمي، ليتلوها مظاهرات أخرى لم تهدأ في مناطق عدة، من بينها الخليل وجنين وبيت لحم وقطاع غزة.

وفي حين أن نقاش الصالونات السياسية والنخب المثقفة ارتكز على النظام السياسي وتآكل شرعية الحكم وترسخ نمط من الأبوية الجديدة / الباتريمونيالية المحدثة والزبائنية وصراع النخبويات المتناقضة، لا ينبغي بأي حال، إغفال ما لعبه ويلعبه خطاب الكراهية والتحريض من إنتاج وتأجيج للغضب الذي لن يأخذ وقتاً طويلاً إذا ما استمر قبل أن ينتج أفعالاً عنيفة أخرى.

سواء كنت من هذا الفريق أو ذاك، لنعترف أن خطاب التظاهرات وتظاهرات الضد مشحون بالسلبية والاتهامات والشتائم والمناكفات، في ظل واقع فلسطيني شديد التعقيد والحساسية، وهو ما يصيب بحالة من الإحباط المواطنين على أطراف التيارين، ويضع في دائرة الخطر المواطنين المتفاعلين داخل التيارين، ويبتعد بدرجة أو بأخرى عن حرية التعبير.

لا يتوفر تعريف قانوني دقيق لخطاب الكراهية، إذ يعرف عموماً على أنه أنماط مختلفة من أنماط التعبير العام التي تنشر الكراهية أو التمييز أو العداوة أو تحرض عليها أو تروج لها أو تبررها ضد شخص أو مجموعة، على أساس من يكون، بمعنى آخر، بناءً على عامل هوية بما فيه السياسي. ومع أن بعض التصريحات قد لا تحرض على العنف مباشرةً بالضرورة، إلا أنها تلعب دوراً فاعلاً في نشر بذور التعصب والغضب الذي يضفي الشرعية على أعمال الكراهية.

يستحق التوضيح هنا، أن أعمال التحريض التي تؤدي إلى العنف، لا تكتمل دون عناصر يجب أن تكون حاضرة: سياق يفضي إلى العنف، ومتحدث مؤثر، وخطاب يُنشر على نطاقٍ واسع، وجمهورٍ متقبل ومتجاوب، وفئة مستهدفة (عادةً ما تكون الفرقة المختلف معها سياسياً و/أو دينياً و/أو جندرياً). وهي بأكملها حاضرة في الحالة الفلسطينية التي تتفاعل بسرعة منذ حادثة مقتل “نزار بنات”، ما وضع السلم الأهلي تحت ضغطٍ هائل وتهديد.

ثمةَ حاجة أيضاً إلى احتمال أن يؤدي هذا الفعل إلى العنف، ومع أن كل أعمال التحريض على التمييز وعلى العداوة والعنف هي خطاب كراهية إلا أنه لا يمكن اعتبار كل خطابات الكراهية تحريضاً، دون أن ينتقص ذلك من سلبية أياً من الممارستين وتداخلهما واعتمادهما المتبادل.

لكن ماذا عن حرية التعبير؟ وهو سؤال فلسطيني بقدر ما هو عالمي، من يملك المحددات ومن يحدد المعايير بين ما هو تعبير وما هو كراهية، وبين ما هو ممنوع ممارسته وما هو ممنوع المساس به. حرية التعبير محمية بموجب القانون الدولي، من خلال حقوق واضحة منصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية. مع ذلك، جرى وضع بعض القيود عليها مثل تجريم الخطاب الذي يدعو إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية والذي يشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.

إن ما هو خطير في خطاب الكراهية والتحريض الفلسطيني على نحوٍ خاص، أنه يمارَس في الشارع وأيضاً عبر منابر إعلامية استقطابية واسعة الانتشار تقليدية أو حديثة مثل المنصات الاجتماعية، كما يمارَس على نطاق واسع من نخب سياسية ومنظرين رفيعي المستوى ينبغي أن تكون مسؤوليتهم أو على الأقل شعورهم بها أعلى، دون أدنى اكتراث منهم بأخلاقيات الخطاب السياسي أو أدنى مبالاة بالطريقة التي يصبون فيها الزيت على نار الاستقطاب المشتعلة.

بالنسبة لنخبة الحكم، تلك الطريقة هي الأسرع للحَظوة في نظام عميق بُني على أساس الولاء، أما نخبة المعارضة فتلك هي طريقتها الأسهل لمخاطبة قواعدها الشعبية واستقطاب المزيد منها عبر مدخل الإحباط والغضب. ما يجعله – أي خطاب الكراهية والتحريض – يدور في حلقة تعيد إنتاج نفسها، من الشارع إلى المنصة، ومن المنصة إلى الشارع، وعبرهما إلى الصالونات.

لنذكر هنا، بأن تسميم المساحة العامة والرقمية ككل سينعكس سلباً عليك أيا كان فريقك الذي تقف فيه، حتى لو بدأ الفعل بمهاجمة الطرف الآخر الذي لا تنتمي إليه وبدا لك أنه انتصار لطرفك، بلغة حقوق الإنسان، وجود قمع للفئات الأضعف والأكثر تهميشاً واختلافاً وإرهابها فكرياً وعزلها فضلاً عن كونه جريمة وبالذات من زوايا سيكولوجية مرتبطة بالعنف النفساني واللفظي، ينعكس كذلك على الجميع بما فيهم أنتْ شعوراً بالسلبية العامة وبعدم الأمان في المنصات. يولد العنف في الحيز الواقعي عنفاً مضاداً ودوائره المتداخلة ألسنتها تصل الجميع.

بمراقبة سريعة لسلوك الفريقين في المظاهرات المتناقضة ومن مدخل الخطاب – بعيداً جدلية صاحب الأحقية والممارسات الأخرى – هناك تزايداً ملحوظاً في استخدام ألفاظ وعبارات ذات ملامح مباشرة وغير مباشرة تندرج تحت خطاب الكراهية والتحريض بقصد أو بدون، والتمترس في شرعنة ذلك خلف حرية التعبير لهذا الفريق أو التذرع بواجب فرض القانون والنظام للفريق الآخر. اللافت أن هذا الخطاب ينتشر على نحو واسع بين الفئات الشابة والمتعلمة والمثقفة ويمارس من نخبة وقادة الفريقين، في سياق مأزوم يتكرس فيه قمع الحقوق والحريات العامة واستخدام أدوات بوليسية وترتفع فيه المؤشرات على اتجاه سريع نحو المنهجة وربما المأسسة للمشهد القمعي. إنهُ ليل فلسطين الطويل.

بالتأسيس على تلك الحقيقة واستشراف مآلاتها الكارثية، هناك حاجة سريعة لتبني مقاربة أولى قوامها رفع المسؤولية لدى المتفاعلين في الحيز العام، عبر تعزيز رقابتهم الذاتية على خطابهم، وإعادة الاعتبار للأصوات الحكيمة، دون أن ينتقص ذلك من الأهمية القصوى والمزمنة لمعالجة الأسباب التي قادت إلى هذه الحالة، وأولها: شعور جيلٍ كامل أنه على الهامش، وأن المتن ومعه الوطن ملكٌ ” للبُسْطار الأمني “.

الشباب على الهامش والعواجيز في المتن: خطيئة التهميش

الناظر في الخارطة المجتمعية الفلسطينية اليوم، ما بين القمة والقاع، سيجد عواجيز في القمة، القمة الرسمية، القمة المدنية والأهلية، القمة الأكاديمية، وكل القمم، في تجلٍ لطبقية راسخة معيارها السن، بهذا يمكن اختزال الكفاءة والخبرة والمعرفة والحكمة. وفي المشهد الأدنى شباب كفؤ على امتداد واسع يحاول تلمس طريقه وسط الضباب والإحباط المنتشر.

 تبدو هذه البلد مثل “عمارة” سكنية توشك على الانهيار على كل من فيها، والكل عالق، لا يستطيعون إيقاف الانهيار ولا الخروج منها 

نعيش هنا، أي في فلسطين، في العام 2020 سيء الصيت والطالع واحدة من أصعب السنوات، لقد كانت سنة صعبة على العالم، لكنها أصعب علينا بحكم المهددات المتقاطعة. تتعالى مهددات وجودية في كل السياقات، من الناحية السياسية هناك “صفقة القرن” يرافقها “مخطط الضم” الذي يسعى من خلاله تحالف اليمين “نتنياهو – بني غانتس” لتحويل الاحتلال من مؤقت لدائم، وشرعنة سرديات القوة، عبر حكومة أطلقت عليها أوساط إسرائيلية (حكومة الفساد والضم) برؤية استعمارية عنصرية تراكم في سجل الانتهاكات ضد المدنيين الفلسطينيين، بدءًا بالقتل والإعدام الميداني، مرورًا بتقييد الحق في الحركة ومنعه، وليس انتهاءً بهدم منشآت الفلسطينيين أو مصادرتها أو إخلائها منشآت رسمية وتعليمية وترفيهية ودينية وسياحية وطبية وزراعية وتجارية وصناعية، من مركز لعلاج مصابين فايروس كورونا إلى حفر امتصاصية، في عام يستحق بجدارة أن يطلق عليه “عام الجرافات”. وهي انتهاكات مرشحة للارتفاع مع تزايد وتيرة إنفاذ اليمين خططه في ضم أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية، طبعًا، ضم الموارد لا السكان.

أما على المستوى الاجتماعي، يتراجع السلم الأهلي وتنتشر فوضى السلاح، جرائم قتل ضد نساء وأطفال وآخرين، ذكور يسقطون ضحايا لشجارات تستخدم فيها الأسلحة، عدا عن ضحايا إطلاق النار في الأعراس والمناسبات، بالرغم من التناقض الإشكالي بين الفوضى والفلتان الأمني من جهة وانتشار الأجهزة الأمنية المكثف غير المسبوق من جهة أخرى، نتيجة تفشي فايروس كورونا، وهو تهديد صحي يمكن اعتباره ثالث الأزمات المهددة تعاني الأطر الرسمية في ضبطه لعوامل متعددة لا مجال لذكرها، ليس أقلها غياب السيطرة على المعابر وحركة العمال، وليس أكبرها ثقافة مشككة في وجود الفايروس تستقي من نظرية “المؤامرة” وتنتشر وينتشر معها الفايروس أمام تشوه أو انكسار بات يمكن تلمسه بوضوح يصيب الوعي الجمعي. 

وكورونا مصائبها لا تأتي فرادى، تضرب الجائحة الاقتصاد الفلسطيني الهشّ أساسًا والذي يعاني تحت وطأة اقتطاع أموال المقاصة في مقتل، قطاع رسمي عاجز عن دفع الرواتب بانتظام، وقطاع خاص عاجز ومشلول عن دفع الأجور والتوظيف، وتضاعف غير مسبوق لنسب الفقر والبطالة، وفوق كل ذلك، قطاع أهلي يترنّح من أزمة التمويل سيما بعد جدلية التمويل الأوروبي المشروط الذي يأتي في سلسلة ممتدة من الضغط على المؤسسات الأهلية الفلسطينية كنتائج لمقدمة رئيسية هي التحريض الإسرائيلي على آخر القلاع الرقابية بعد حل البرلمان الفلسطيني تتويجًا لتعطيله الأسبق، ومظلة القيادات المحلية التي قد تحول دون أي “أسرلة” إن غابت القيادة الرسمية والحزبية أو جرى تغييبها، ومصدر “وجع الرأس” الحقوقي للسلطة القائمة بالاحتلال في المحافل الدولية والمنصات الحقوقية. 

لا تبادر أي جهات رسمية أو حزبية أو مدنية لوضع بديل وحلحلة المشهد، في سياق يغلب عليه رد الفعل العشوائي الانفعالي العابر

أمام كل هذا المشهد المعقد، والذي يزيد من تعقيده الشعور المتزايد في الشارع الفلسطيني بانتشار ممارسات الفساد، وقمع الحريات العامة، لا تبادر أي جهات رسمية أو حزبية أو مدنية لوضع بديل وحلحلة المشهد، في سياق يغلب عليه رد الفعل العشوائي الانفعالي العابر في أحسن الأحوال أو الاكتفاء بلحظة ترقب مريبة للانهيار ومراقبة صامتة لهذا التداعي العريض، وبكثير من الإحباط يحاول جيل شاب متعلم وحيوي ولد في زمن الانقسام الرديء وعاش ويعيش فيه، ولم يمارس حقه بالانتخاب أو المشاركة السياسية أو تولي المناصب العامة الاستمرار. 

إحصائيًا تقول أرقام العام 2020 التي لم يعد هناك من يسعى لتحليلها، إن 22% من المجتمع الفلسطيني من الفئة العمرية (18-29) سنة، بعدد يبلغ 1.14 مليون. وأن 72% من الأسر الفلسطينية لديها شاب واحد على الأقل، وأن نصف الشباب ليسوا في دائرة العمل أو التعليم/التدريب، وأن البطالة تقترب من 40% بين الشباب وتتمركز بين حملة الدبلوم المتوسط فأعلى، مؤشرات تتناقض مع نسبة أمية شبه متلاشية تصل إلى 0.7% وهي نسبة تقارب – للسخرية – نسبة الشباب الفلسطينيين العاملين في مراكز صنع قرار، سواء كمشرعين أو موظفي إدارة عليا والتي تبلغ 0.9% في فجوة مع حضور الديمغرافيا الطاغي ومع منطق التنمية والتغيير والنهوض. 

تاريخيًا، الثقافة الذكورية لم تقمع النساء فحسب، بل الأصغر سنًا، مرتكزة على شعارات تمييزية ضاربة في العقل الجمعي “اسكت خلي الكبار يحكوا”. وكثيرًا تقول الأرقام دون أن تجد الآذان التي تسمع قولها. 

 المشكلة ليست في إيجاد الحلول بل في إنفاذها، وأن أزمة الإنفاذ هي أن العواجيز في المتن يتسيدون الأفق ويسدونه والشباب على الهامش 

على طاولة بعيدة في مكان عام بمدينة رام الله، جلس خمسة شباب، تصادف أنهم من القطاع الرسمي (المدني والأمني) والخاص والأهلي، ناقشوا قضايا البلد وتفاعلات أزمتها، ناقشوا الحلول والرؤى الممكنة للتغيير والسيناريوهات، واتضح لكل منهم أن المشكلة ليست في إيجاد الحلول بل في إنفاذها، وأن أزمة الإنفاذ هي أن العواجيز في المتن يتسيدون الأفق ويسدونه والشباب على الهامش، دون أن يقرأ العواجيز إما لعدم الرغبة و/أو لعدم القدرة مؤشرات تململ الشباب من هذا البقاء الإجباري في الهامش، صحيح أنه قد لا يمكن التنبؤ بالتغيير، لكن جذوره تمتد عميقًا ولن يطول الوقت قبل أن تظهر. 

تبدو هذه البلد مثل “عمارة” سكنية توشك على الانهيار على كل من فيها، والكل عالق، لا يستطيعون إيقاف الانهيار ولا الخروج منها. لعل شبابها ينتظرون الانهيار كي يمارسوا إعادة البناء عبر الهدم – إن نجوا – فالأقوى من يصنع لحظة الحاضر، لكن الأفضل من سيصنع لحظات المستقبل.

من هو المجتمع المدني.. كي لا تستمر الخيبات

إذا كنت تقرأ هذا المقال للوصول إلى إجابة ينصحك كاتبه أن تقلب الصفحة ولا تضيع وقتك، ذاك أنه يعتقد أن طرح السؤال حرية فوضوية فكرية أهم من الجواب القيد والنظام واكتمال الصورة، ولعل هذه طريقة لفلسفة العجز عن الوصول إلى نتيجة وتبرير له بغلاف المعنى، فليكن.. لكن الإجابة ليست بسيطة كالسؤال، كيف تكون وأصعب الأسئلة هي تلك التي تبدو الإجابة عليها سهلة للدرجة التي لا تستحق فيها طرح السؤال التسطيحي على الرغم من وجوديته، من نحن؟ ماذا نريد؟ ماذا نفعل هنا؟ أما السؤال المدني الجدل والوجودي في حيز أضيق من الإنساني – أي العنوان – فيزداد اتساعا كلما فكرت فيه كهاوية، وهو ما يحتاج منك العودة للصيرورة التاريخية للإمساك بحذر بأطراف مقاربة الإجابة قدر المستطاع.

في الحالة الفلسطينية التي ليست كشيء قياسا مع غيرها من الحالات، المشبعة بالتعقيدات والتسارعات المتفاعلة في واقع دينيماكي التحول يكاد يُسقط كل ثابت، قاد المجتمع المدني الشعب الفلسطيني عبر مراحله النضالية في معاركه الوجودية التناقضية مع الاستعمارات، مؤسسات أقدم من تأسيس السلطة الوطنية وحتى منظمة التحرير وسابقة بسنين طويلة لتاريخ استحداث المؤسسات الفلسطينية الرسمية الهشة التي لم تنجح حتى الآن في مأسسة نفسها وغرس جذورها بصلابة، مجتع مدني أبعد من الدولة وأعمق وأكثر قدرة على البقاء في صراع البقاء المستمر، شكل أطر قيادية بديلة وطريقة المدنيين الفلسطينيين في استحداث ممثليهم وشعورهم بالذات الوطنية المهددة.

لكن الثمانينات وما بعدها شكلت نقطة التحول الأبرز في الهوية والممارسة المدنية، لقد نقل منظري اليسار الراديكالي تجاربهم الحزبية الفاشلة للمؤسسات التي أطلقوها، وكانت تلك طريقتهم في إيجاد مكان لهم تحت سماء أوسلو بعد أن غابت شمس الشيوعية، مرة وللأبد، وكلما كانت الأحزاب تغيب في الظل كان غيابها ذاته من يغذي مؤسساتها، باعتبارها أداة الحزب المتبقية، وهكذا ومع الوقت حلت المؤسسة مكان الحزب والممول مكان الأيدلوجيا والمكتب مكان المطرقة والمنجل، لكن الذي لم يتغير القدرة المذهلة على الرفض المبدئي ثم التفكير، لا العكس، فالأصل في الموقف وأي موقف قول لا ومن ثم يمكننا أن نفكر في صوابية الرفض من عدمها.

في نقد النقد، تبدو التركيبة الأوسع اليوم واضحة، يحتفظ فيها كل بموقعه ويتموضع في ضلع ما، الضلع الأول: الإسلاميين واليمين الأيدلوجي في رياض الأطفال والمدارس والجامعات والمساجد، هناك حيث يتشكل الوعي التهديد، الرافض للآخر والمنتفخ بالذات مالكة الحقيقة المطلقة، ويتأهب للمعركة، الضلع الثاني: المؤسسات الرسمية وصناعة القرار ورسم السياسات والاستراتيجية والحكم حيث فتح، وعلى الهامش اليسار في أصغر الأضلاع وآخرها يمارس هوايته الأزلية بالنقد واللا الرافضة دون بديل، اللا التي هي ذاتها صارت الغاية عبر مؤسسات المجتمع المدني – أدوات الحزب الجديدة – التي أفرزتها متطلبات الثمانينات وما بعدها.

مع الوقت تحول المثقفين إلى نخب، فئة متقوقعة على ذاتها منعزلة عن الشارع وأبعد عن الجماهير، تستخدم اسم الجماهير وليست منهم، نخب يقتلها اسمها ومن الأسماء ما قتل، وبدل أن تعمل على تفتيت الطبقة أعلنت عن نفسها طبقة بديلة للطبقة، تنحاز للفقراء وتُسيد نفسها عليهم، أخفض من الحكم وأعلى من الفقير في المنتصف من الهرم، يتسيد عليهم رجل الحكم فيعلنون أنفسهم سادة الفقراء، في سلسلة قهر طويلة، لقد نسيت الطبقة المستحدثة أن الفقير، ذاك الذي يراها من الشارع وهي في مكاتبها، يراها طبقة ولا يهمه أكان خطابها معه أم عليه، فما قيمة الخطاب في وجه الفعل السلبي وزمن المصالح الصامتة؟

من هو المجتمع المدني، ذاك سؤال الحاضر الفارض لنفسه بوقاحة ملحة، الحاضر الذي لا يوجد فيه برلمان منتخب وينتمي كاتب هذا المقال لجيل يكاد ينسى معنى أن تكون ناخب، تسترجع الذكرى كشريط بعيد من زمان آخر غير هذا الزمان، شيء ضبابي حدث في البعيد، أو كتنظير تسمع عنه ولا تمارسه يجري في مكان آخر لشباب بلد آخر، الحاضر الذي يعاني الشارع فيه من إحباطه الأكبر ربما على مدار عقود، الحاضر الذي فقدت الأحزاب فيه هيبتها وقدرتها على الحشد والتجنيد والتعئبة وتقديم الخطاب وتحريك الشارع، والحاضر الذي دُفع فيه الشباب إلى زوايا المقاهي وأفق منصات التواصل الاجتماعي الأوسع من فقاعات المدن وأعلنوا إلحادهم بكل الزعامات عبرها، والذي يبدو فيه السؤال ملحاً أكثر من أي وقت مضى، من هو المجتمع المدني؟ بديل للدولة؟ عدو لها؟ دكاكين؟ أجندة ؟ معارضة؟ نخبة ؟ أم شريك؟
كان من المفترض للمجتمع المدني أن يكون مبدأيا وموقفياً وإن بشكل براغمياتي، لكنه صار برامجياً ينتفخ بهم أكبر، لا  مصلحة الناس المهمة، بل التمويل، تلك الجملة الذهبية لتبرير ما لا يمكن تبريره وتحويل البوصلة عن كل هدف وغاية، مواقف متناقضة ومتغيرة ومتبدلة بمرونة متخبطة لا تعكس أي رؤية، وفهم صفري للعبة بين مكونات ذات المجتمع المدني، الرقعة بين الآنا والآخر إما أنا وإما هو، في توليفة مولدة لقناعة متوهمة عن تضارب مصالح وهم، “نجاحه فشل لي وفشله نجاح لي” ويا للغرابة حين يكون كلاهما يقاتلان لنفس الهدف والمنطلقات، توليفة تمزق المجتمع المدني من الداخل كما لا ينجح أي شيء آخر في أن يفعل.

لم تنجح محاولات الأطر الرسمية السيطرة عليه، ولا تعديلات تشريعية وتضييق في البيئة القانونية، ولا سعي الاحتلال لإغلاقه وملاحقة نشطاءه، ولا الراصد الإسرائيلي الذي يقدمه للأوربيين أنه لا سامي ويراقبه عن كثب ويتصيد له ما يخطئ ما لا يخطئ فيه من عين السامية المتوسعة، ولا شُح التمويل، شيء وحيد فقط من الممكن له تدمير المجتمع المدني، هو المجتمع المدني نفسه، في لعبة يبدو فيها زر التدمير الذاتي الخيار الوحيد الممكن  لإنهاءها.

بعد عشر سنوات من انخراطي في المجتمع المدني وكواحد من أصغر نشطاءه، ما زال السؤال نفسه يتكرر، من هو المجتمع المدني؟ ولعل الإجابة الممكنة، هو نحن، هو كلنا، بخطايانا قبل صوابنا، وضعفنا قبل قوتنا، وإنسانيتنا قبل مبادءنا، لكنك لا تملك الأخلاقية أن تطلب من أحد غيرك أن يكون أفضل ما لم تكن كذلك، ولأن غروب مرحلة لطالما كان في ذهني إشراق أخرى، وانحسار ظاهرة ولادة جديدة لأخرى، مخاضنا القادم يجب أن يكون جبهة مدنية هي الأعرض في تاريخنا الحديث تنطلق من مرجعية الحقوق والحريات المدنية، ومن مصلحة المواطنين، تتجاوز أحزابها ورموزها، وتنتمي للمهمشين وتعيد لهم الثقة، وتسد الفراغ الذي تركه غياب البرلمان المنتخب وأي انتخابات حتى عودتها – إن عادت –  بالذات مع غياب الخطاب والرموز والهياكل الحزبية، جبهة مدنية تعيد تعريف النخب، كل النخب، وتتفق على المرجعيات، وعلى دستور العمل المدني، وننطلق في هدف واحد، إصلاح النظام السياسي، أو نضغط زر التدمير الذاتي، وننتظر جيل آخر.

من ناهض حتّر إلى صامويل باتي… عن أسلمة الحيّز الرقمي وتطبيع الكراهية وتمجيدها

لقد كان مُرعباً. بهذه الكلمات يمكن توصيف إقدام فتىً من أصول شيشانية في الـ 18 من عمره لأبوين لاجئين فرَا من الحرب في بلدهم إلى فرنسا، على ذبح معلم التاريخ والتربية المدنية، صامويل باتي، على خلفية عرض الأخير رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد ضمن مناظرة في حصة مدرسية عن حرية التعبير. اعتبرها الجاني مسيئة للنبي وتُشوهه، فقطع رأس المعلم وعرض صور الضحية مقطوع الرأس على تويتر وأرفقها برسالة منه إلى “ماكرون أمير الكفرة”. وهي جريمة إرهابية تأتي بعد أيام من تصريح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن الإسلام في أزمة، وأن “في تلك النزعة الإسلامية الراديكالية عزماً معلناً على إحلال هيكلية منهجية للالتفاف على قوانين الجمهورية وإقامة نظام موازٍ يقوم على قيم مغايرة، وتطوير تنظيم مختلف للمجتمع”. وبعيداً عن صوابية التصريحات الماكرونية من عدمها، تكمن إشكالية أساسية في أن الإسلامويين يرفضون حتى هذه اللحظة النظر إلى أنفسهم في المرآة بتجرد وموضوعية، ويطورون دائماً معايير وحججاً لتغليف المشكلة بدل تعريتها ومواجهة موروثهم العنيف بجرأة وتحليل ونقد.

يكمن جانب آخر من المشكلة في محاولة الإسلامويين فرض رؤيتهم على الحيز الأوروبي العام، ونقل الأيديولوجيا الخاصة بهم والحساسة تجاه معتقداتهم وحرية التعبير من الذات إلى الشارع، أي بتحويل النسبي إلى مطلق، في الدول العلمانية التي فروا إليها. على الرغم من إدراكهم في مكنوناتهم أن أوروبا العلمانية هي ضمانة لكل الأديان ولحق الاعتقاد والتعبير، وأنها برغم كل شيء ما زالت ما يمكن أن يعبر عنه بالعالم الحر، ولو كانت دينية تفضل ديناً معيناً في دساتيرها كما تفعل دولهم التي فروا منها لما استقبلتهم. 

في المُحاججة، يعتبر كثير من الإسلامويين أن لأوروبا، وبالذات لفرنسا اللائكية تاريخاً استعمارياً عنيفاً، في محاولة للربط بين الحيزين الإجراميين، بالدفاع عن جرائم الحاضر الإسلاموي باسم رد الفعل / الضحية على جرائم الماضي الاستعماري، وإعلاء لشماعة “هم سيئون ونحن كذلك”، وذلك في نزعة ماضوية تُمجّد الانتقام. يمكننا التعبير عن ذلك بأن هناك موتى يرسمون المستقبل، وخطورة هذا الطرح في أنه يُعبّر عن أمة ترى أن كل مستقبلها هو في استعادة الماضي، ترفض التفاعل مع الحضارة الإنسانية وإحداث أي مراجعة ولا تتقدم نصف خطوة. 

يكمن جانب آخر من المشكلة في محاولة الإسلامويين فرض رؤيتهم على الحيز الأوروبي العام، ونقل الأيديولوجيا الخاصة بهم والحساسة تجاه معتقداتهم وحرية التعبير من الذات إلى الشارع، أي بتحويل النسبي إلى مطلق، في الدول العلمانية التي فروا إليها

وهم الإسلامويون أنفسهم الذين يُمجّدون إساءتهم للأديان الأخرى باسم حرية المعتقد في ذهابٍ بعيد نحو المعايير المزدوجة، إذ منذ أشهر أقدمت امرأة بحرينية على تحطيم مجموعة من التماثيل الهندوسية – الأصنام في قاموسها والآلهة في القاموس الهندوسي – في متجرٍ انتصاراً لدينها. أخذت السلطات البحرينية موقفاً إيجابياً باعتقال السيدة ومحاكمتها، لكن السؤال ظل مفتوحاً: ماذا لو استّل هندوسي سكينه وقتلها دفاعاً عن دينه؟ مما لا شك فيه، كان سيتم رفض الفعل وتجريمه وتمجيد هذه “الشهيدة” المفترضة من قطاعات إسلاموية واسعة. يتكرر الأمر كل عيد أضحى، عند وقوع صدامات إسلاموية – هندوسية على خلفية ممارسة المسلمين شعائرهم بالتضحية بالأبقار المقدسة لدى الهندوس، لا سيما مع وصول حزب “باهرتيا جاناتا” الهندوسي للسلطة، الذي يعتبر حماية الأبقار من أهم الأولويات لديه. فثلما يعتقد الإسلامويون أن لديهم أوتارهم الحساسة وخطوطهم الحمر، عليهم تقبل أن الآخرين لديهم ذلك أيضاً. 

واحدة من نظريات نشوء الدولة، هي النظرية الإلهية، التي يعزو أصحابها نشأة الدولة إلى الإله، معتبرين أن الإنسان ليس إلا عاملاً هامشياً اختاره الإله لإدارة كيان الدولة. ربما تسرّع البعض في قطف ثمار التقدم المدني وسيادة الديمقراطية، معتقدين أننا تخلصنا من الثيوقراطية التي كانت تصور الحاكم أنه حاكم بأمر الله، وأن مطالباتك بأي تغيير في العقد الاجتماعي هي تمرد ضد هذه الذات الإلهية، وأننا انتصرنا على الثيوقراطية مرة وللأبد. لكن التطبيقات تقول العكس، ففي أكبر دولة خليجية وفي غيرها من الدول الدينية، ما زال التظاهر هو خروج على ولي الأمر صاحب الحق المطلق بالطاعة وعقوبته الإعدام، في سلسلة يستمد فيها الحاكم الجزء الأكبر من شرعيته من النص الديني الذي يستمد شرعيته بدوره من الإله، وهنا تكمن تحديداً جدلية الدين والدولة، فالشعب ينتمي لديانات وأفكار وثقافات مختلفة. أشخاص طبيعيون يعتنق كل منهم فكرة دينية معينة أو لا يعتنق ضمن مساحته الخاصة، والأصل أن تكون المساحة العامة بلا أيديولوجيا.

وهم الإسلامويون أنفسهم الذين يُمجّدون إساءتهم للأديان الأخرى باسم حرية المعتقد في ذهابٍ بعيد نحو المعايير المزدوجة.

أعني هنا بالمساحة العامة ذلك الفراغ الحر الذي يمارس فيه الأفراد حقوقهم في الفضاء العام، الذي يفترض أن يكون بلا أي لون ليظل صالحاً لجميع الألوان الفكرية، فما المغزى والمنطق من أن يكون هناك دين للشخصية المعنوية التي نُطلق عليها دولة؟ الأمر يشبه أن تمنح ديانة للشخصية المعنوية “الشركة” مثلاً، فلماذا لا يطرح دعاة النظرية الدينية سؤالاً حول دين الشركة أو الجمعية الخيرية أو المؤسسة؟ الدولة بتعبيرها النقي الأول مجموعة من الأفراد يمارسون سلطات عبر مؤسسات عامة ويتخذون قرارات تمس الجميع استناداً لإرادة شعبية ويقدمون خدمات لهؤلاء المواطنين على قدم المساواة، هذه هي ببساطة. إذا أين المنطق في سؤال ما دين الدولة؟ وأنا بعيد تماماً عن القول بأن هذا هو سؤال الإسلام، إذا ما قِسنا أي ديانة أو أيديولوجيا شمولية أو متطرفة على مسطرة الديمقراطية، سيتضح لنا أنها غير ديمقراطية من الاختبار الأول، إنه اختبار لن ينجح فيه أحد، فليس هنالك دين ديمقراطي من حيث المبدأ، وعليه، السؤال ليس الإسلام والديمقراطية، بل شعار الأيديولوجيا اليمينية الإسلاموية “الإسلام دين ودولة” الذي لا يبدو منطقياً وقابلاً للتطبيق في مجتمعات تعددية متنوعة وحرة.

هذه الخطابات الإسلاموية المتطرفة هي الدجاجة التي تبيض ذهباً لليمين المسيحي المتطرف وللشعبوية، إذ يتغذى اليمين على اليمين، وينتفخان مهددين كل مكتسباتنا الحضارية بعد نضالات إنسانية مريرة لتحقيقها، من علمانية وديمقراطية ومدنية وتعزيز لحقوق الإنسان بما فيها الحق في المعتقد والتعبير. يزداد الشعور القومي اليميني تطرفاً، وتهتز دعائم الديمقراطية وقيم التسامح مع كل حادثة إرهابية، وتزداد إرهاصات تجنيد ديني آخر لحرب أيديولوجية أخرى. وتدخل مفاهيم مثل القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والحريات العامة، واللاجئين، والأقليات، والنساء، والملونين، ومختلطي الأعراق، والجبهات والفضاءات المدنية في دائرة الخطر والإنعاش. تشعرنا كل جريمة إرهابية، كمتفاعلين في الحقل المدني، أن الدائرة ستعاد، فقد بدأت الإنسانية بالسحر ثم الدين ثم كان القانون.

بالعودة إلى جريمة مقتل صامويل باتي، لا يمكن قراءة هذه الجريمة في حيز معزول عن الكراهية الرقمية التي مهدت لها بدايةً ومجدتها لاحقاً، إذ اعتقلت السلطات الفرنسية إسلاموياً من أصول مغربية لتحريضه والدة طالبة مسلمة في مدرسة “دو بوا دو لون” التي يعمل بها صامويل للمطالبة بإقالة الضحية، ونشر فيديو تحريضي طالب فيه برد موحد ومناسب على “النذل”. تجلّت هذه الكراهية بشكل أبرز بعد الجريمة في إطلاق صفة البطولة على المجرم وتمجيده من قبل كثير من المتفاعلين الإسلامويين مع الخبر داخل فرنسا وخارجها، الذين رأوا في المجرم مسلماً ملتزماً صادقاً وشجاعاً. وهو ما يمكن اعتباره إشارة إلى أن في داخل كل منهم “داعشياً” صغيراً يحتاج قَدحة بسيطة لينطلق.

وبالحديث عن خطابات الكراهية، لا يمكن فصل هذه الخطابات التي يعج بها الحيز الرقمي اليوم، عن صفتها كفوهات للغضب قادرة دائماً على إنتاج فعل عنيف. تعيد الجريمة للأذهان ما حدث مع الكاتب والمفكر الأردني ناهض حتر، الذي استدعته السلطات الأردنية لنشره على صفحته على موقع فيسبوك كاريكاتوراً اعتُبر من إسلامويين مساً بالذات الإلهية، بعد تحريضهم كأحزاب وأفراد عليه ومطالبتهم بإنزال أقصى العقوبات بحقه، واعتبار مؤسسة الإفتاء العام الأردنية الرسمية ناهض حتر من المتطاولين على الذات الإلهية. لاحقاً اغتيل ناهض بثلاث رصاصات اخترقت رأسه على باب قصر العدالة، بعد أن اختار – كما هو متوقع منه – الخضوع للأدوات المدنية ومؤسسات دولته وحضور جلسة محاكمته في قضية “ازدراء أديان”. التهمة الأكثر سخافة في الشرق.

يزداد إدراكنا اليوم أن خطابات الكراهية والخطابات التحريضية والتمييزية التي يزخر بها العالم المرقمن، على خلفية فروق واعتقادات بالتفوق الديني أو المناطقي أو الحزبي أو الجنساني أو الجندري أو تلك الموجهة ضد ذوي الإعاقة، تعزل فئات واسعة وتشعرها بالاضطهاد

يزداد إدراكنا اليوم أن ما هو محميّ في الواقع من حقوق الإنسان يجب أن يكون محمياً كذلك في الحيز الرقمي، وأن حرية التعبير أساس كل الحقوق والحريات ومفتاحها، وأن خطابات الكراهية والخطابات التحريضية والتمييزية التي يزخر بها العالم المرقمن، على خلفية فروق واعتقادات بالتفوق الديني أو المناطقي أو الحزبي أو الجنساني أو الجندري أو تلك الموجهة ضد ذوي الإعاقة، تعزل فئات واسعة وتشعرها بالاضطهاد. إذ لا يمكن اعتبار خطابات الكراهية تهديداً فقط في الحالة التي تمس فيها أحداً منا أو يشبهنا واقتصار التضامن على ذلك، فوجودنا في الحيز نفسه الذي نشاهد فيه هذه الخطابات لا يشعرنا بالأمان وينعكس سلباً علينا وهو شعور يطال بشكل أكبر الفئات الأصغر سناً. في الوقت عينه الذي يفرض فيه نمط الإنسان العصري الحديث على كل منا الوجود في فضاء عالم يزداد توجهاً نحو الرقمنة. 

ما نحن بحاجة إليه اليوم، هو استثمار غضبنا والتحرك السريع والمنظم وعدم الهدوء في مواجهة الهجومات المنظمة والممنهجة ضد قيمنا الإنسانية ومكتسباتنا الحضارية، ولا سيما منها تلك الراغبة في أسلمة الحيز الرقمي وتحطيم قيمة التعبير وإخافة الآخر غير الإسلاموي، وأن لا ننتظر سقوط ناهض أو صامويل آخر.

عن هزيمة ترامب.. لا تبدأوا الاحتفال

المسألة الشعبوية لم تنتهي وربما لم تبدأ بعد معركتها الحقيقية لإعادة هندسة الكوكب، صحيح أن دونالد ترامب وجهها الأبرز خسر الانتخابات الرئاسية ولم ينجح في الوصول إلى ولاية ثانية لصالح منافسه الديمقراطي جو بايدن – دعكم من كونه عنيدًا وسيبقى مشاكسًا، ويعيش إنكارًا، ويتصرف كرئيس لفترة – لكنه في العمق حقق نصرًا كبيرًا، أجل لقد فعل.

ما كان يعتقد أنه غلطة تاريخية وهفوة وانحراف عن القيم الأمريكية وانتكاسة للديمقراطية عام 2016، يتأكد اليوم أنه ليس كذلك بحصول ترامب على أكثر من 70 مليون صوت، منها 8 ملايين أكثر مما حصل عليه في ولايته الأولى، بعبارة أخرى نحن أمام واقع مخيف فيه حوالي نصف الأمريكيين يثقون باليمين الأبيض الشعبوي وواجهته دونالد ترامب لقيادتهم نحو مصيرهم.

بقراءة المؤشرات، سيكون من المبكر جدًا وربما من الغباء الاحتفال بالنصر، إذ خلال أربع سنوات في البيت الأبيض، المكان الأكثر نفوذًا في العالم، تحول ترامب من شخص إلى حالة، ومن رئيس إلى أيدلوجيا، ومن ترامب الرجل إلى الترامبية النهج، درس أنصاره أدق تفاصيله بوفاء، واستلهموا منه حول العالم، ورأوا فيه البديل الغريب والمطلوب عن المؤسسة السياسية وأعراقها وتقاليدها المملة. إنه المخلّص، رجل «الكاوبوي» الأبيض اللامبالي، الفتى المتمرد، محتقر الجميع الذي يجرؤ على فعل ما لا يجرؤ بقية السياسيين الفاسدين على مجرد قوله في العلن بالنسبة لأنصاره.

أدرك ترامب هذا الولاء الأعمى له منذ اللحظة الأولى لوصوله للبيت الأبيض حين تفاخر قائلًا: قاعدتي الانتخابية مستعدة للتصويت لي حتى لو أطلقت النار على شخص في شارع بنيويورك، جملة قد يكون قصد بها الولاء، أو بالتورية والمواربة ما هو أبعد، فقاعدة ترامب مثله تحب استخدام الأسلحة في حسم نزاعاتها مع الآخر، والآخر هنا كلمة تُمطّ لتشمل كل ما هو غير أمريكي مسيحي أبيض مغاير جنسيًا.

في أحسن حالاته لا يعدو ما جرى عن كونه انتكاسة في الشكل للشعبوية، أما في المضمون فاليمين يصعد ويتقدم ويلتهم يوميًا مزيدًا من المساحات المشتركة والفضاءات المدنية ومعايير الحقوق وقيم الحريات، هذا زمان الانعزال والتقوقع على الذات، والشعور بالفوقية، والعودة للعرق، زمان يشبه ما قبل الحرب العالمية.

لننظر إليهم كيف ينتشرون: جونسون في بريطانيا، إردوغان في تركيا، مودي في الهند، أوربان في هنغاريا، بولسونارو في البرازيل، دوتيرتي في الفلبين، أوبرادور في المكسيك، يانشا في سلوفينيا، كلهم وصلوا لمراكز صنع القرار وينفذون سياسات اليمين التمييزية، والفوقية، والعنصرية.

والصاعدون في هذه الرحلة أكثر من الواصلين في أوروبا طليعة العالم الحر يعيد اليمين المتطرف رسم المساحات والاصطفاف ويهيئ نفسه لمعركة تولي زمام المبادرة، مارين لوبان في فرنسا، نوربرت هوفر في النمسا، وغيرهم. بطريقة ما، ينبغي أن ندرك أن الانتخابات الأمريكية لا تعد مجرد استفتاء على الترامبية، وإنما اختبارًا كبيرًا للشعبوية في جميع أنحاء العالم، وهي لم تفشل فيه تمامًا.

قد يشكل وصول بايدن ابن المؤسسة السياسية العريقة – الممل والتقليدي والمتوقع – بارقة أمل ونشيدًا نحو المستقبل للكثيرين، لكنه نشيد مبحوح حتمًا لن يكون قادرًا وحده على الصمود والمواجهة أمام ضربات مخالب دببة اليمين التي تتغذى على اليمين وتنتفخ. فبينما يعتقد الكثيرون أن ترامب قد قسّم البلاد، يعتقد آخرون أنه قد وحد كذلك العنصريين حول العالم وجمع شملهم.

والعنصرية في جوهرها قد تكون مشكلة غريزية – دون أن يُفهم من ذلك مدعاة لتبرير هذا السلوك القذر – بل أعني بذلك أن الشعور بالتفوق والانتماء إلى جماعة مميزة هو شعور حيواني إنساني أول، ساعدت صيرورة الحضارة والتطور الإنساني على إضعافه ببناء الجسور ومساحات الشراكة، لكن هناك من يحاول وبقوة العودة لتلك المرحلة البدائية كردة فعل انعزالية تبدأ وتنتهي من هوس الخوف من الآخر، للدرجة التي علينا أن نخشى فيها من أن تكون قمة المدنية ونهايتها هي العودة للبدائية.

يدرك الديمقراطيون – أو عليهم فعلًا ذلك – القوة الجارفة والحالة غير العابرة، وأن ترامب ليس آخر شعبوي، وإن كان الأول في عصر أمريكا الحديث الذي يصل إلى هذا المستوى الرفيع في مؤسسة الحكم، هذه هي رائحة الخوف التي نشتمّها من تصريحات بايدن حين قال هذه آخر فرصة لاستعادة أمريكا قبل أن يحدث ترامب تغييرًا أساسيًا في هويتها، لكن هل فعلًا لم يحدث ترامب ذلك التغيير بعد؟ لندع هذا السؤال في رسم المستقبل.

في قراءة الخسارة المستحدثة علينا قراءة الربح السابق، خرج الأمريكيون من منطقة الراحة الجمعية عام 2016 وصوتوا لغريب عن المؤسسة ومتمرد عليها بانتخابهم لترامب، لكنهم سرعان ما ارتدو إلى رغبة ونزعة تقليدية في رؤية شخص يتصرف بكلاسيكية وروتينية وهدوء أكبر ولا يثير التوتر بشكل دائم وعلى نحو متعب ومنهك للجميع، وهو أمر مشابه للحالة الإنسانية عند إحداث التغيير على المستوى الشخصي، تخاف منه، ثم تجربه، ثم تعود لنمطك القديم، لكن شيئًا ما يظل يدفعك نحو التغيير ومحاولته مجددًا.

أصاب فيروس كورونا ترامب صحيًا وسياسيًا أيضًا، الرجل الذي خلّف وما زال أضرارًا دائمة في المؤسسات الأمريكية، وزرع بذوره السامة في الحكم والشارع لسنوات طويلة قادمة، لم تبدأ الشعبوية معه حتى تنتهي معه. بقراءة الانقسامات في المجتمع الأمريكي لم يكن ترامب سببًا فيها بقدر ما كان نتيجة لها، إنه الحصاد المر للعنصرية الكامنة في وعي الحلم الأمريكي المشوه.

بعد أربع سنوات شديدة الرهبة، يريد الكثير من الأمريكيين ومعهم الملايين حول العالم التصديق أن الولايات المتحدة زعيمة العالم الحر على وشك بداية جديدة. لكن بينما يستعجل الجميع تنفس الصعداء، المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

فتح التي ترقص على حبل «العشيرة» ويشنقها.. الانتخابات الفلسطينية

سيكون فاعلًا. بهذا الوصف يمكن اختزال الدور المتوقع أن تلعبه العشائر في الانتخابات البرلمانية – إن صارت – وتكثيفه. تتزايد المؤشرات أن العقل الجمعي الفلسطيني عُزَّز تشكيله بحيث يتموضع فيه الذَكر المسلم البالغ المغاير جنسيًّا كأعلى شخص في الهرم المجتمعي. سيده ويتربع عليه ويحدد حقوق وامتيازات من هم أقل منه في الهرم- السلسلة ومن ضمنها حق الحياة.

وهذا، وإن كان جزءًا من سردية طويلة مُرَّة تفاعلت في سياقها المكاني والتاريخي والهوياتي اللغوي والديني، فإن ترسيخه فعال للغاية مؤخرًا. وهي موضعَة أهم ما تعنيه أن الشباب الأصغر سنًّا، والنساء، والكفاءات غير الشعبوية، والأقليات بما فيهم الدينية، والنخب المدنية، هم من الآن خارج اللعبة.

العلاقة الرعوية – المصلحية مع «العشائر» قديمة جديدة، إذ لم يكن الموضوع العشائري بعيدًا عن السلطة منذ تأسيسها، ولا حتى عن منظمة التحرير الفلسطينية. أَنشأت المنظمة بقرار من المجلس الوطني رقم 924/م/912 في 22/1/1979 الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح. لاحقًا لذلك، سارعت المنظمة إلى ضم عدد من القادة العشائريين إلى المجلس الوطني الفلسطيني كنوع من الشرعية والتمكين للمنظمة لا لقادة «العشائر». أما بعد تأسيس السلطة فقد صدر مرسوم رئاسي رقم 4557 تضمن إنشاء إدارة شؤون العشائر وأتبعها مباشرة بمكتب الرئاسة بتاريخ 14/9/1994، والتي ألحقت بعد ذلك برئاسة الوزراء ثم بوزارة الداخلية كأحد الإدارات العامة المعتمدة في هيكلية الوزارة.

ظل النظام السياسي وفيًّا لهذه العلاقة ومحترمًا لها، وفي حالات متعددة برز حجم الترابط العضوي بين الطرفين. سواء بحالة الحياد تجاه الخطاب العنيف الصادر عن تحالف «العشائر – حزب التحرير الإسلاموي» ضد المؤسسات المدنية والحركة النسوية واختيار الصمت ضد الكراهية المنظمة، أو برعاية التدخل العشائري واستدعائه عند وقوع جرائم عنف متفرقة، والذي يتبعه معاملة قرار الصلح العشائري معاملة الحكم القضائي واجب التنفيذ، بمعزل عن مدى عدالته أو احترامه لمنظومة حقوق الإنسان؛ إذ تشكل عمليات الإجلاء انتهاكًا هائلًا وتعيد للذاكرة التهجير المتكرر في السردية الفلسطينية. كما تطورت العلاقة لأبعد من ذلك حين دُفعت عطوة «أمنية» لعائلة مواطن قتل بالخطأ على يد الشرطة أثناء شجار. كان بارزًا دعوة د. محمد اشتية رئيس الوزراء العشائر للمساعدة في جهود الحد من انتشار فيروس كوفيد–19.

بالعودة للانتخابات، تعني خريطة التوازنات الحالية لحركة «فتح» المتربصة والتي تمثل الشعبوية الفلسطينية وتعرف من أين تؤكل الكتِف، أن وجهاء العشائر المحليين المحسوبين على الحركة والذين شاركوا حزب التحرير الإسلاموي المتطرف في المعركة ضد النسوية وقضايا أخرى ذات علاقة بالشأن المجتمعي العام مثل «واقعة مقام النبي موسى» ونسجوا مع الحزب علاقات متينة أو تقاطعوا معه فكريًّا على مشترك التقاء اليمين باليمين، قد يكونون جزءًا من خيارات الحركة الانتخابية، إذ لا طريقة مضمونة وأبسط لجذب الأصوات في الجنوب الفلسطيني، في «الخليل» حيث أكبر مخزون تصويتي على مستوى المحافظات.

الراقصون «الفهلويون» على حبل «العشيرة» لا يقرؤون التاريخ. لو كانوا يفعلون لعلموا أن الحبل المصيدة سبق وأن التف على عنق ورقاب كل من راقصه قبلهم وكسرها. من يستفيد من الآخر أكثر؟ سؤال كبير في حيز صغير سعى ويسعى فيه الاستعمار منذ لحظة حضوره الطويل والعنيف الأولى إلى خلق قيادات محلية سقف مطالبها تحسين أوضاع السكان تحت الاستعمار، بديلًا عن الحركة الوطنية التي تطالب بالانعتاق الكلي منه. والبائس، أننا وصلنا إلى مرحلة نرى فيها نظامًا سياسيًّا يعامل نفسه بوصفه «عائلة»، بأبويته الجديدة وزبائنيته وتوظيفه على اعتبارات الولاء وغيرها من المظاهر التي يُقزم فيها ذاته، وبالمقابل عشيرة متضخمة تراكم في قوتها وترى في نفسها «دولة».

«الهَبرة» لدى المسيطرين على هذا النظام السياسي ووجوهه، آنية ومرحلية، وهي الفوز بالانتخابات، بأي ثمن وضمن أي تحالف، و«الهبرة» لدى «العشيرة» بعيدة وإستراتيجية، رأس النظام السياسي ذاته. اليوم جسر وغدًا بديل.

قريبًا، سنرى على منصة البرلمان، شوارب شيوخ عشائر أو لنقل بكثيرٍ من حسن الظن شوارب دعمتها شوارب شيوخ العشائر.
هلا بالرَبِع.. ودام عزَّك يا وطن.

مشكلتي مع «فيسبوك».. لُغز أن تعرف الجهة التي تلاحقك

في الثامن والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2021، وتحديدًا عند السادسة مساءً. ظهرت على شاشة هاتفي دون سابق إنذار رسالة من إدارة «فيسبوك». كلمات قليلة وضبابية تلخص الرسالة في علاقة القوة الإذعانية التي تحكمنا مع الشركات التكنولوجية الكبرى: «تم تعطيل حسابك. لا يمكنك استخدام فيسبوك لأن حسابك أو نشاطك عليه، لم يتبع «معايير مجتمعنا». لقد راجعنا هذا القرار بالفعل ولا يمكنك إلغاؤه. للتعرف على المزيد، يرجى زيارة معايير مجتمعنا». كان عمر الحساب الذي تم إزالته للتو في لحظة حوالي ثماني سنوات، هكذا دون سابق إنذار ودون أي إشعار مسبق أو أي تقييد على مدار كل هذه السنوات، ودون توضيح لماهية الانتهاك، في لحظة مفاجئة وغامضة أزيل الحساب – بما في ذلك التعليقات – ومُنعت فورًا من أي إمكانية للوصول إليه دون أدنى تفسير أو أي حق في الاعتراض. كل ما يمكنني فعله هو زيارة معايير مجتمعهم والتي تبدو ضبابية أكثر من رسالة الحذف نفسها.

الغريب هنا، أن جانب من عملي ونشاطي بصفتي مدافعًا عن حقوق الإنسان هو التدريب على الحقوق الرقمية، أي إنني أدرك تمامًا هذه المعايير بشكلها العام وأنضبط بها بمعزل عن مدى قناعاتي الشخصية في ظل التضييق على المحتوى الفلسطيني الرقمي بوجه ما لأسباب سياسة متعلقة بالصراع مع الاستعمار الاستيطاني. للكثيرين وأنا من بينهم، تحول «فيسبوك» مع الوقت من منصة تواصل اجتماعي إلى «بروفايل» شخصي طويل وسيرة ذاتية مهنية ممتدة؛ إذ نشرت عبره مئات المقالات، والمنشورات، والفيديوهات، واللقاءات الإعلامية التي قمت بها، سيما مع العزل الواقعي والكثافة الافتراضية التي خلفها تفشي جائحة كورونا. لكن كل ذلك المحتوى، ذهب في هذه الخطوة التعسفية دون توفر نسخ أخرى من المحتوى لدي. رغم مراسلتي «فيسبوك» مباشرةً فور الإزالة الغامضة ومعي عدة جهات حقوقية ورقمية للحصول على تفسيرات/إيضاحات، ومطالبتهم بالحد الأدنى بتوفير قاعدة بياناتي عبر البريد الإلكتروني، لم نلق أي استجابة حتى اللحظة.

استباقًا لهذه المماطلة ترافقت رسالة الحذف التي وصلتني مع رسالتين، الأولى تؤكد أنه لم يتبق لطلب المراجعة سوى 30 يومًا قبل الحذف النهائي – وهي تتناقض مع رسالة لقد راجعنا بالفعل هذا القرار ولا يمكن إلغاؤه – كما أن طلب المراجعة المتاح هنا هو صورة هوية شخصية فقط! حساب فعَّال، باسمي وصوري ولقاءاتي الإعلامية ومقالاتي وأعمالي المهنية وموثق برقَمَي هاتف وبريد إلكتروني، وهو تقريبًا حساب أستخدمه حصرًا لهذه الغايات وليس للتواصل الشخصي نتيجة أزمة ثقة مع الشركات التكنولوجية الكبرى بشأن خصوصيتنا في الحيز الرقمي، وسبق أن طلبت توثيقه من أشهر عبر ذات صورة الهوية شخصية يكون طلب مراجعتي لحذفه بهذا الشكل التعسفي هو إرفاق صورة هوية.

والرسالة الثانية المرافقة لرسالة الحذف: «لا يتوفر لدينا في الوقت الحالي سوى عدد قليل من الأشخاص المتاحين لمراجعة المعلومات بسبب كوفيد–19. هذا يعني أننا قد لا نتمكن من مراجعة حسابك. نعتذر عن أي إزعاج قد يسببه الأمر». هكذا، بهذه البساطة، تضيع كل هذه المراكمة في قاعدة بيانات مهنية طويلة عبر «فيسبوك»، دون توضيح، دون حق اعتراض، دون توفير نسخة من معلوماتك، دون أدنى سابق إشعار. وهو فعل مذهل في مفاجأته وكشفه للهشاشة الرقمية يضعك أمام خيار البحث الذاتي عن الجهة ما وراء خطوة إدارة «فيسبوك»، أي، الجهة ما وراء الإغلاق.

بالقفز من الخاص إلى العام، تتعرض الحقوق الرقمية للفلسطينيين/ات لانتهاكات من كل السلطات في حيز تتداخل فيه محاولات السيطرة على الحيز العام. وهو ما حوَّل معرفة الجهة التي تقف وراء الانتهاك إلى نوع من التحدي. العديد من الأمثلة على الانتهاكات الرقمية يمكن إيرادها، مع الإشارة إلى أن هذه الانتهاكات في الحالة الفلسطينية المعقدة، ترتقي من تقييد الرفاه للآخرين من سكان هذا العالم إلى تهديد الحياة للفلسطينيين في بعض الحالات.

إذ لا يتوقف الأمر على حجب لعبة أو أغنية على أهمية ذلك. خذ عندك مثلًا، تمييز شركة «Googol» عبر تطبيقها «Google Maps» ضد الفلسطينيين بتسمياتها أولًا، وبشمول مسحها الجغرافي للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية التي تشكل جريمة حرب في القانون الدولي ثانيًا، وبحذفها لأسماء القرى الفلسطينية في مناطق (C) ثالثًا. ما الذي يعنيه هذا الأمر؟ حجب التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية أمام المستخدمين، يحيلنا وبكل سهولة إلى سيناريو متوقع هو أن السائق الفلسطيني في هذه الجغرافيا المتداخلة قد يدخل خطأً بسيارته إلى مستوطنة إسرائيلية وهو ما سيعني شيئًا واحدًا شبه محقق: تحييده بالرصاص من قبل الحراس و/ أو المستوطنين.

تتكاتف الانتهاكات الرقمية في فلسطين مع إشكالية حجب المواقع من قبل جهة أخرى من السلطات. حوالي 50 موقعًا إلكترونيًا فلسطينيًّا جرى حجبهم في نوفمبر 2019، وهو فعل أسود مستمر لم ينجح مرسوم الرئيس الأخير بشأن تعزيز الحريات في إيقاف آثاره. والحال كذلك، يتعدى فعل الحجب والممارسة الفردية أو الأمنية إلى فعل تشريعي ومؤسساتي ممنهج بربطه بالإطار القانوني الذي استند عليه ممثلًا بقرار بقانون الجرائم الإلكترونية في الضفة الغربية (16/2017)، والذي تم تخفيف حدته لاحقاً عبر قرار بقانون (10/2018) مع بقاء بنيته الأساسية على حالها، وبصدور قرار الحجب من جهة قضائية. ينبغي التذكير هنا، بتهمة إساءة استعمال التكنولوجيا السخيفة في قطاع غزة التي أضيفت مع القانون (3/2009) المعدل لقانون العقوبات (74/1936). أمام صراع تنافسي بين طرفي الانقسام للسيطرة على الحيز الرقمي العام. تشريعات حقبة الانقسام سيئة السمعة تَعرّض – وما زال – على إثرها العديد من الصحفيين والنشطاء للملاحقة، بما نقل الانتهاك للحقوق من الرقمي ممثلًا في الحجب إلى الجسدي والمعنوي ممثلًا فيالتوقيف والملاحقة والمحاكمة.

في السياق يبرز انتهاك آخر للحقوق الرقمية «مُمَؤْسس» على مستوى أرفع وأقدم يتمثل في الشركات الاحتكارية، التي تقدم خدمات الإنترنت. منذ مجيئها اتّبعت السلطة الفلسطينية سياسة رسمية في إدارة الخدمات رُسِمت عبر محورين، المحور الأول: إدارة تلك الخدمات من خلال أجسام حكومية وغير حكومية ذات مهام إشرافية وفنية وإدارية لكل قطاع على حدة، بما في ذلك قطاع الاتصالات. والمحور الثاني: الأسلوب غير المباشر في تقديم الخدمات في هذه السلع الإستراتيجية بالاعتماد الكلي على القطاع الخاص في الإدارة والتشغيل وتزويد الخدمة، بامتيازات وعقود وتراخيص احتكار وبالذات في مرفق الاتصالات.

ما زال السؤال مفتوحًا دون إجابة رسمية حول الاتفاق السري الذي جددت بموجبه شركة الاتصالات الفلسطينية في ديسمبر 2016، احتكار السوق الفلسطيني لعشرين سنة قادمة، أي حتى 2036 مقابل 290 مليون دولار، دفعتها للحكومة الفلسطينية – ستستعيدها مضاعفة من جيوب المواطنين – في تقرير للبنك الدولي حول الحوكمة ومكافحة الفساد في الضفة الغربية وقطاع غزة نُشر في العام ذاته، أفاد البنك الدولي بتعرفه على إساءة استخدام ممكنة لقوى السوق وهيمنة لبعض الفاعلين النافذين بقطاع الأعمال ووجود صلات شخصية قوية بين أصحاب الأعمال التجارية والمسؤولين العموميين.

كما يبرز انتهاك رقمي آخر مهم هو خطاب الكراهية الذي يجري ممارسته على نطاق واسع ضد النساء، والذي يتزايد على نحو خاص مع كل جريمة أو خطوة مرتبطة بجريمة ضد إحدى النساء، وهي كراهية تمتد لتشمل ذوي الإعاقة، ذوي البشرة السوداء، والأقليات الجندرية والدينية في الحيز الرقمي الفلسطيني. كان لافتًا إلى دخول جانب جديد من الكراهية والتنمر مرتبط بفيروس كورونا، خاصة مع بداية تفشي الجائحة مطلع 2020 الفائت. سواء ذلك الموجه ضد مصابي فيروس كورونا، أو ضد العمال الفلسطينيين في أراضي الـ48، أو ضد وزيرة الصحة، أو ضد الآسيويين الذين يعيشون في الضفة الغربية.

مطلع العام الجاري أعلن رئيس الوزراء، محمد اشتية، تشكيل لجنة فنية للمحافظة على الحقوق الرقمية الوطنية وتحصيلها من شركات التكنولوجيا العالمية، وهو أمر مهم وسيكون جديًّا لولا أن معارك رقمية أسهل لخوضها وممكنة لم يتم الالتفات إليها، تبدأ بنشر الاتفاقية السرية مع شركة الاتصالات ولا تنتهي بالضغط لتعديل تشريعات الجرائم الإلكترونية، وهي معركة فلسطينية داخلية لن تستدعي الكثير من الإمكانيات، كالتي يتطلبها فتح جبهة مع الشركات العالمية الكبرى على مستوى دولي.

يبقى السؤال المحوري في حادثة الحذف، من هي الجهة وراء ذلك؟ الاحتمالات كلها واردة وممكنة أمام هذا التداخل. بما فيها متعصبو اليمين الشعبوي والإسلامويون من «حزب التحرير» الذين اعتادوا مهاجمة صفحتي وتهديدي عبرها على خلفية قضايا ذات علاقة بالحقوق والحريات العامة، وربما غيرهم. بعد كل هذا السرد، قد تبدو فترة الابتعاد القهرية عن «فيسبوك» مريحة بعض الشيء، للتخلص من توترات التحديث المستمر للأخبار البائسة في هذه البلد، وفرصة لقضاء وقت أطول مع العائلة، وللابتعاد عن البرمجة التي تمارسها المنصات ضد وعينا وهوياتنا الفردية.

لكنها بلا شك، تعكس في آن هشاشة عصر البيانات الكبرى الذي نعيش فيه، وضعف ظهر الفلسطينيين في ممارسة حقوقهم الرقمية، تمامًا كما هي بقية الحقوق. ففي الوقت الذي تعتبر مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن ما هو محمي في الواقع من حقوق الإنسان يجب أن يكون محميًّا رقميًّا، تبرز الحقوق الفلسطينية شيئًا غير محمي على الإطلاق لا واقعًا ولا افتراضًا. وهو ما يبعث على الحزن، ولكنه أكثر، يبعث على السخرية.

العالم يتغير.. ونحنُ كذلك

بدا كل شيء عاديًّا في البيت الأبيض، حين شرعت إسرائيل، تلك السلطة القائمة بالاحتلال في حربٍ جديدة على قطاع غزة المحاصر، فعل إسرائيلي ركيزته الأساسية استهداف مساكن المدنيين بشكل واسع، عقوبةً جماعية للحاضنة الشعبية للمقاومة، وذلك أمام فشلها في مواجهة الفعل الفلسطيني المقابل المتمثل في إطلاق صواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى باتجاه أهداف إسرائيلية. العجوز جو، الذي وصل حديثًا للبيت الأبيض يبدأ بتطبيق القواعد التقليدية للسياسة الأمريكية القديمة فيما يتعلق بأزمات الصراع الأهم في الشرق الأوسط، تدخُّل متأخر وتعبير عن الاكتفاء بالتشديد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ودعم لوقف إطلاق النار يتزامن مع عرقلة صدور أي قرار من مجلس الأمن الدولي بشأن العدوان الإسرائيلي، إنه مشهد تقليدي دون أي جديد.

لكن سؤلًا جديدًا كان ينبثق من أروقة الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه بايدن وأوصله للرئاسة، وينمو تحت الرماد، شيئًا فشيئًا، كبر السؤال وأربك السياسة الرسمية للبيت الأبيض، ماذا عن حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم؟ لم تكن الخطورة في السؤال، بقدر ما كشفه من متغيرات جديدة داخل بيت حليف إسرائيل الأهم والأقوى، وهو ما عبر عنه بايدن في آخر اتصال له مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حين قال له:«الأمور في أمريكا تتغير. إذًا، أمريكا تتغير، ومعها يتغير العالم.

في 19 مايو (أيار)، طرح ديمقراطيون في مجلس النواب الأمريكي مشروع قانونٍ يسعى لحجب مبيعات أسلحة دقيقة التوجيه قيمتها (735) مليون دولار لإسرائيل. قاد جهود طرح المشروع النائبة الأمريكية من أصول فلسطينية رشيدة طليب وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، وهما إلى جانب آيانا بريسلي، الأمريكية من أصول أفريقية، وإلهان عمر الأمريكية من أصول صومالية، يشكلون «الترويكا» الرباعية التي نعتها ترامب بالعصابة وطالبها بالعودة من حيث أتت، والتي ترى في بيرني ساندرز مرجعيتها السياسية والأخلاقية في آنٍ واحد، إضافةً إلى نواب ديمقراطيين آخرين. أظهرت هذه الململة الديمقراطية تنامي التيار الأكثر ميلًا لليسار في داخل الحزب وتزايد شعبيته.

وهو ما كانت قد حذرت منه دراسة إسرائيلية ([1]) صادرة عن مركز «بيجن السادات» منذ قرابة عامين، قرأت واستشرفت النتائج التي حققها الجناح اليساري في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وخرجت بمخاوف من التأثير المحتمل لهذا الجناح على الانتخابات النصفية وعلى رئاسيات 2020 باعتباره جناح يتبنى مواقف معادية لإسرائيل وغير ملتزم بمصالحها، مطالبةً صناع القرار في تل أبيب الاستعداد لإمكانية أن يسيطر ممثلو اليسار على الحزب الديمقراطي مع كل ما ينطوي عليه هذا التطور من تداعيات بعيدة المدى على مستقبل العلاقات الثنائية. ذهبت الدراسة إلى مناطق أدق وأبعد بالقول إن تغُّلب من وصفتها «الناشطة اليسارية المتطرفة» ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز (28) عامًا على المخضرم جو كرولي (58) عامًا الذي يعد من أكثر المتحمسين لدعم إسرائيل، وفوزها بترشيح الحزب الديمقراطي عن مقاطعة كوين في ولاية نيويورك، يشكل نقطة تحول؛ إذ إن النتائج التي حققها ممثلو الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي قد تسفر عن فوز مرشح ديمقراطي يأخذ بعين الاعتبار مواقف هذا الجناح من إسرائيل. عامين بعد ذلك فقط، وقادت ألكساندريا التي باتت رسميًّا نائبة ديمقراطية، جهود مشروع قانون حجب مبيعات أسلحة دقيقة التوجيه لإسرائيل، وانخرطت ومعها فريق من النواب في ضغوط على إدارة بايدن لدفعها لاتخاذ موقف مختلف عن الموقف التقليدي للإدارات المتعاقبة من أي صراع ينشأ بين الفلسطينيين وإسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال.

كان موسم انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية عام 2018 لحظةَ إلهام لم ينتبه لها كثيرون، ومعركة تحدي وتحول فكري بين جيلين. لقد أدرك الديمقراطيون أنه يمكنهم الفوز فقط برسائل جريئة حول قضايا جدلية وحساسة وبسياسات تقدمية مختلفة عن السياسات الديمقراطية السائدة وبقوة ناعمة مدمرة وشبابية ترفض الحدود التقليدية للسياسات الديمقراطية، حفزها وصول اليميني الشعبوي دونالد ترامب للحكم وعداؤه العلني للأقليات.

في لحظةٍ فارقة، انطلقت محاولات جدية لإعادة تشكيل الحزب الديمقراطي قوةً معارضةً شرسة، فيها ليبرالية شديدة وجناح يساري جريء وعنيد، وهي القوة التي نجحت فعلًا في التغلب على ترامب لاحقًا.«لقد وضع الضغط جيلًا جديدًا من التقدميين الديموقراطيين والمواجهين على شفير التحول الكاسح، ليس بعيدًا عن الروح الوسطية لسنوات بيل كلينتون فحسب، بل ربما أيضًا عن ليبرالية باراك أوباما ذات التوجه التوافقي». ([2]) إذ بات من الممكن هز المؤسسة الحزبية الديمقراطية، وتدمير آلات الحزب القديمة التي كانت أضعف من منع الصعود اليميني القومي.

اعتمدت إستراتيجية إعادة تأهيل اليسار داخل الحزب الديمقراطي وتقويته رؤيةً طموحة للدفع بالحزب الديمقراطي أداةً فاعلة في مواجهة اليمين الشعبوي، على مقاربة ثلاثية من عدة أعمدة([3]):

1. إذا كان الجمهوريون واليمين بكافة فرقه يعتمدان على كتلة السكان ذوي البشرة البيضاء من أصول أوروبية، فإنه يجب علينا تجميع كافة الأعراق والقوميات الأخرى تحت راية اليسار، من الأمريكيين من أصول أفريقية وآسيوية ولاتينية.

2. إذا كان اليمين الجمهوري يعتمد على سرديات دينية مسيحية، فإن مخاطبة الجاليات العربية والإسلامية سوف يكفل حشد تلك الأصوات الانتخابية خلف اليسار الديمقراطي.

3. ضرورة لملمة باقي الأقليات السياسية أو المسيسة في هذه البوتقة وتشمل النسويات والمثليين والعابرين جنسيًا، وحتى الأفكار الخاصة بالمتغير المناخي والحفاظ على البيئة والطبيعة ونبذ أكل اللحوم والتحول إلى البرنامج الغذائي النباتي، وصولًا إلى دعاة حرية تدخين المخدرات وتعاطيها.

تطرف إدارة ترامب، وما عبرت عنه من مد قومي أبيض شكل المحفِّز الأساسي لبذرة هذا النهوض اليساري الكبير داخل الحزب الديمقراطي لبناء حائط صد أمام اليمين والشعبويين الجدد، والذي قد نشهد في حال استمراره ونموه ما يمكن أن نطلق عليه «ثورةً حقيقية لليسار» الديمقراطي.

يدرك بايدن أن تأمين النصر للديمقراطيين في أي انتخابات قادمة لا يمكن أن يتحقق دون دعم شباب الحزب والأقليات الذين يشكلون الجزء الأهم والفارق في قواعده الشعبية. خلال الحرب على غزة وجه 500 شاب من أعضاء حملة بايدن الانتخابية رسالةً له تردد صداها في مكتبه، جاء فيها: «بينما أمضى الإسرائيليون الليالي في الملاجئ، لم يكن للفلسطينيين في غزة مكانًا يختبئون فيه».

في مشهد دلالي آخر، بزغ خطاب غير مسبوق على مستوى النخبة السياسية الأمريكية، حين تحدث السيناتور بيرني ساندرز بلغةٍ جديدة عبر مقال رأي ([4]) نشرته «نيويورك تايمز» خلال الحرب الأخيرة على غزة والذي تسبب في جدل واسع، قال بيرني: «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها» جملة يرددها الساسة الديموقراطيون والجمهوريون على حدٍ سواء كلما تعرضت إسرائيل لهجوم صاروخي من قطاع غزة، إلا أن هذه الصواريخ لم تكن الشعلة الحقيقية للأزمة، السبب الحقيقي هو محاولة إخلاء سكان حي الشيخ جراح الذي يمثل ثمرة إستراتيجية صُممت من أجل تهجير سكان هذا الحي منذ سنوات، إخلاء حي الشيخ جراح من سكانه جزء من نظام أوسع يتسم بالاضطهاد السياسي والاقتصادي. من الصادم والمحزن بمكان أن الغوغائيين الذين يهاجمون الفلسطينيين في شوارع القدس لديهم تمثيل في الكنيست. الحركات المتطرفة لا تقتصر على إسرائيل لكن كان لها صديق في البيت الأبيض على مدار الأعوام الأربعة الماضية، ومقابل تلك الحركات هناك جيل يسعى لبناء مجتمعات على أسس الاحتياجات الإنسانية والعدالة السياسية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية والعالم. يجب أن نعترف بأن حقوق الفلسطينيين مهمة، وحياة الفلسطينيين مهمة».

أعاد كلام بيرني تسليط الضوء على نجاح معقول للأصوات الداعمة والذكية التي سعت للربط بين معاناة الفلسطينيين تحت الاستعمار الكولنيالي الاستيطاني من قبل الاحتلال الإسرائيلي – والذي صنفته «هيومن رايتس ووتش» مؤخرًا بوصفه نظام «أبرتهايد» ([5]) – وبين معاناة السود من العنصرية، سواءً في جنوب أفريقيا أو في الولايات المتحدة نفسها، والنضالات التي رفعت شعار «حياة السود مهمة»، بذلك للمرة الأولى قطاع مهم من الرأي العام الأمريكي يقف مع الفلسطينيين.

لندرك الفرق في ثلاثين عامًا، يمكننا الرجوع بالذاكرة إلى ما قاله المفكِّر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد ([6]) عام 1993:«يعلم الجميع أن من الصعب جدًا محاولة قول انتقادٍ للسياسة الأمريكية أو إسرائيل في وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، على عكسِ سهولة قول أشياء معادية للعرب كناسٍ وثقافة، وللإسلام كدين».

بشكلٍ أو بآخر. حدثَ تغيُّر جذريٌّ في جزء مهم من نقاش الصالونات السياسية الأمريكية عن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بظهور لغةٍ مختلفةٍ عن التي يستخدمها السياسيون الأمريكيون من الحزبين عادةً، وهو أمر لافت بالقدر ذاته الذي يلفت فيه الانتباه أن جزءًا من التغطية الإعلامية الأمريكية للمواجهات بين الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1948 والمستوطنين الإسرائيليين نقلت الأحداث باعتبارها حربًا أهلية تشبه احتجاجات السود التي قادتها حركة «حياة السود مهمة» في إشارة إلى أن إسرائيل تواجه أزمتها نتاج سنوات من التمييز والعنصرية. الربط بين النضالين والعنصريتين والضحايا، فكَّك الأرض الصلبة الداعمة لإسرائيل وسمح بهزها. جورج فلويد؟ حسنًا، والفلسطينيون أيضًا لا يستطيعون التنفس.

على الجانب الآخر، الطاقة التقدمية أثرت على داعمي إسرائيل بالقدر نفسه التي سمحت بالتحرك للمناهضين لسياساتها العنصرية، ومنهم آندرو يانج المرشح الديمقراطي السابق لرئاسيات 2020، والذي عبر في تدوينه له عن دعم إسرائيل في حملتها العسكرية ليتعرض لنقد كبير على منصات التواصل الاجتماعي، تلاه إيقافه من قبل محتجين غاضبين في نيويورك في ضغوط دفعته لنشر تدوينة أخرى يقر فيها أن الحفاظ على حياة الفلسطينيين ضروري أيضًا. خطوة صغيرة، من الممكن اعتبارها مؤشرًا على تحوُّل كبير إذا ما تم البناء عليه واكتمل.

لا أحد يشكك أن كثيرًا من الجهود ما زالت مطلوبةً لمعادلة كفة الدعم الأمريكي التقليدي الهائل لإسرائيل، وأن كمية هائلة من الخطوات باتجاه العدالة ما زالت صعبة التحقق، لكن ما يجري يعكس رمزية مهمة على تحول تعززه الاحتجاجات المناهضة للاحتلال في الشارع الأمريكي، في شيكاغو ونيويورك، والعاصمة واشنطن.

بطريقة مشابهة، شهد حزب العمال البريطاني تحولات فكرية، عبر نشوء تيار يساري ماركسي في الحزب، والتي بدأت مع انتخاب جيرمي كوربين عام 2015 رئيسًا للحزب، وهو من أكثر الأصوات السياسية البريطانية دعمًا لحقوق الفلسطينيين، صحيحٌ أن ما يمكن وصفه باليسار الليبرالي عاد لزعامة الحزب بعد انتخاب كير ستارمر، لكن كير نفسه لم يستطع تجاهل اليسار الماركسي في تشكيلته الوزارية لحكومة الظل، الأمر الذي يظهر وزن هذه القواعد. ودون التعمق في التفاصيل، درْس بريطانيا هو أن أي تجربة تحول أوروبية سياسية حزبية لمصلحة الفلسطينيين ليس بالضرورة أن تكتمل، أو أن يعد بدء التغير مسارًا ثابتًا سيستمر في التقدم، قد تتعرض التجربة لهجوم مضاد وتنتكس ما لم يتم تعزيزها والبناء عليها، والذي أساسه التفاعل مع التحولات هناك، من الطبقة السياسية البائسة هنا في الأرض المحتلة.

هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن الدور الفاعل لوسائل التواصل الاجتماعي، التي ساهمت في بروز جيل أصغر سنًّا، لكن معرفته الدقيقة حول ما يجري على الأرض في المنطقة أكبر من الجيل الغربي التقليدي وأكثر ديناميكية منه. تبذل إسرائيل جهودًا هائلة لاستعادة صورتها ومحاصرة الرواية الفلسطينية في الحيز الرقمي الذي جعل إمكانية التستر على جرائمها مسألة صعبة للغاية. يتلاقى هذا النضال الرقمي مع نضال وضغط شعبي آخر نواته الأساسية المظاهرات الضخمة في العالم الحر على الأرض وفي الميادين.

أخيرًا، من المفيد الإشارة إلى أن الفلسطينيين يتغيرون كذلك وإن كان ببطء شديد وضمن تحديات مهولة، أو على الأقل هناك محاولات جدية يتم بذلها – على مستوى الشارع لا الهرم – لانبثاق شيءٍ ما جديد، شيءٍ ترتسم معالمه مع الوقت في كل الأرض المحتلة ما بين النهر والبحر يتجاوز التقسيمات الجيوسياسية السائدة والطبقة السياسة ومشروعها الوطني الفاشل.

خلاصة القول، أننا أمام مركز قوى يتغير، وقوة ظلٍّ ضاغطة تتشكل ببطء، وكي لا يكون هذا تفكير بواسطة الأمنيات، وإدراكًا بأن هذا التحول ما زال في بداياته، ولم تتضح بعد الجهة التي سيمضي صوبها أو ما إذا كان سيتم الالتفاف عليه مبكرًا، واعترافًا بأن العلاقات والمصالح المشتركة بين الفلسطينيين والولايات المتحدة لا تصمد في أي مقارنة مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية، لنقل أننا من المؤكد لم نعد ننحدر نحو الهاوية، لكن السؤال الذي يبقى مجهولًا هو معرفة ما إذا كنا سنكسب شيئًا من ذلك أم لا.