حرية التعبير تنتهي عندما تبدأ الكراهية: فوهات الغضب في مظاهرات فريقين

يتأجج الشارع الفلسطيني منذ 24/6/2021 على صفيح ملتهب ما بين فريقين غاضبين، اليوم الطويل المستمر منذ  أسبوعين والذي بدأت صبيحته ببيان مقتضب حول إعلان وفاة الناشط السياسي والمدافع عن حقوق الإنسان والمرشح السابق للانتخابات التشريعية “نزار بنات” على لسان محافظ الخليل، بات واضحاً أنه لم يعد من الممكن عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبله.

القاتل في توقيت هذه الحادثة أنها جاءت بعد فترة قصيرة من إعلان الرئيس الفلسطيني عبر مرسوم رئاسي عن تأجيل الانتخابات العامة، والتي كان يفترض لها أن تجري للمرة الأولى منذ سنوات طويلة على مستوى الرئاسة والبرلمان لتنهي سنوات من “التكَلس” السياسي. خلفّت حادثة التأجيل موجة من الاستياء الهادئ في الشارع الفلسطيني المحبَط والمحتقن، أمام ما استُشعر أنه خوفاً “فتحاويا رسمياً” من الهزيمة تم التذرع في تبريره بعدم موافقة “إسرائيل” السلطة القائمة بالاحتلال على إقامة الانتخابات في القدس الشرقية.

أسابيع أخرى، وتشهد الساحة الفلسطينية موجة من التصعيد، على إثر الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في مدينة القدس (حي الشيخ جراح وحي البستان – سلوان) على وجه الخصوص، محاولات التهجير القسري والتطهير العرقي للسكان في هذه الأحياء وهدم منازلهم، فجرت تصعيد عسكري إسرائيلي عنيف وواسع ضد قطاع غزة أوقع خسائر بشرية ومادية فادحة، لكنه في آن رفع من رصيد مشروع الإسلام السياسي الذي تمثله حركة “حماس” الغريم التقليدي لأصحاب الحكم في الضفة الغربية.

أمام هذه المعطيات، كان من الواضح أن مقتل “نزار بنات” سيتسبب في موجة غضب عارمة في الشارع الفلسطيني المحتقن بالأساس، وبالفعل، سرعان ما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتنديد والاستنكار الواسع، فيما تداعت المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية لإصدار بيانات ومواقف منددة بالحادثة وداعية للتحقيق فيها ومعاقبة الجناة. والأهم، انطلقت منذ اللحظات الأولى للإعلان عن الحادثة مظاهرات عفوية أبرزها في مدينة رام الله حيث مقر إقامة الرئيس الفلسطيني والثقل السياسي الرسمي، ليتلوها مظاهرات أخرى لم تهدأ في مناطق عدة، من بينها الخليل وجنين وبيت لحم وقطاع غزة.

وفي حين أن نقاش الصالونات السياسية والنخب المثقفة ارتكز على النظام السياسي وتآكل شرعية الحكم وترسخ نمط من الأبوية الجديدة / الباتريمونيالية المحدثة والزبائنية وصراع النخبويات المتناقضة، لا ينبغي بأي حال، إغفال ما لعبه ويلعبه خطاب الكراهية والتحريض من إنتاج وتأجيج للغضب الذي لن يأخذ وقتاً طويلاً إذا ما استمر قبل أن ينتج أفعالاً عنيفة أخرى.

سواء كنت من هذا الفريق أو ذاك، لنعترف أن خطاب التظاهرات وتظاهرات الضد مشحون بالسلبية والاتهامات والشتائم والمناكفات، في ظل واقع فلسطيني شديد التعقيد والحساسية، وهو ما يصيب بحالة من الإحباط المواطنين على أطراف التيارين، ويضع في دائرة الخطر المواطنين المتفاعلين داخل التيارين، ويبتعد بدرجة أو بأخرى عن حرية التعبير.

لا يتوفر تعريف قانوني دقيق لخطاب الكراهية، إذ يعرف عموماً على أنه أنماط مختلفة من أنماط التعبير العام التي تنشر الكراهية أو التمييز أو العداوة أو تحرض عليها أو تروج لها أو تبررها ضد شخص أو مجموعة، على أساس من يكون، بمعنى آخر، بناءً على عامل هوية بما فيه السياسي. ومع أن بعض التصريحات قد لا تحرض على العنف مباشرةً بالضرورة، إلا أنها تلعب دوراً فاعلاً في نشر بذور التعصب والغضب الذي يضفي الشرعية على أعمال الكراهية.

يستحق التوضيح هنا، أن أعمال التحريض التي تؤدي إلى العنف، لا تكتمل دون عناصر يجب أن تكون حاضرة: سياق يفضي إلى العنف، ومتحدث مؤثر، وخطاب يُنشر على نطاقٍ واسع، وجمهورٍ متقبل ومتجاوب، وفئة مستهدفة (عادةً ما تكون الفرقة المختلف معها سياسياً و/أو دينياً و/أو جندرياً). وهي بأكملها حاضرة في الحالة الفلسطينية التي تتفاعل بسرعة منذ حادثة مقتل “نزار بنات”، ما وضع السلم الأهلي تحت ضغطٍ هائل وتهديد.

ثمةَ حاجة أيضاً إلى احتمال أن يؤدي هذا الفعل إلى العنف، ومع أن كل أعمال التحريض على التمييز وعلى العداوة والعنف هي خطاب كراهية إلا أنه لا يمكن اعتبار كل خطابات الكراهية تحريضاً، دون أن ينتقص ذلك من سلبية أياً من الممارستين وتداخلهما واعتمادهما المتبادل.

لكن ماذا عن حرية التعبير؟ وهو سؤال فلسطيني بقدر ما هو عالمي، من يملك المحددات ومن يحدد المعايير بين ما هو تعبير وما هو كراهية، وبين ما هو ممنوع ممارسته وما هو ممنوع المساس به. حرية التعبير محمية بموجب القانون الدولي، من خلال حقوق واضحة منصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية. مع ذلك، جرى وضع بعض القيود عليها مثل تجريم الخطاب الذي يدعو إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية والذي يشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.

إن ما هو خطير في خطاب الكراهية والتحريض الفلسطيني على نحوٍ خاص، أنه يمارَس في الشارع وأيضاً عبر منابر إعلامية استقطابية واسعة الانتشار تقليدية أو حديثة مثل المنصات الاجتماعية، كما يمارَس على نطاق واسع من نخب سياسية ومنظرين رفيعي المستوى ينبغي أن تكون مسؤوليتهم أو على الأقل شعورهم بها أعلى، دون أدنى اكتراث منهم بأخلاقيات الخطاب السياسي أو أدنى مبالاة بالطريقة التي يصبون فيها الزيت على نار الاستقطاب المشتعلة.

بالنسبة لنخبة الحكم، تلك الطريقة هي الأسرع للحَظوة في نظام عميق بُني على أساس الولاء، أما نخبة المعارضة فتلك هي طريقتها الأسهل لمخاطبة قواعدها الشعبية واستقطاب المزيد منها عبر مدخل الإحباط والغضب. ما يجعله – أي خطاب الكراهية والتحريض – يدور في حلقة تعيد إنتاج نفسها، من الشارع إلى المنصة، ومن المنصة إلى الشارع، وعبرهما إلى الصالونات.

لنذكر هنا، بأن تسميم المساحة العامة والرقمية ككل سينعكس سلباً عليك أيا كان فريقك الذي تقف فيه، حتى لو بدأ الفعل بمهاجمة الطرف الآخر الذي لا تنتمي إليه وبدا لك أنه انتصار لطرفك، بلغة حقوق الإنسان، وجود قمع للفئات الأضعف والأكثر تهميشاً واختلافاً وإرهابها فكرياً وعزلها فضلاً عن كونه جريمة وبالذات من زوايا سيكولوجية مرتبطة بالعنف النفساني واللفظي، ينعكس كذلك على الجميع بما فيهم أنتْ شعوراً بالسلبية العامة وبعدم الأمان في المنصات. يولد العنف في الحيز الواقعي عنفاً مضاداً ودوائره المتداخلة ألسنتها تصل الجميع.

بمراقبة سريعة لسلوك الفريقين في المظاهرات المتناقضة ومن مدخل الخطاب – بعيداً جدلية صاحب الأحقية والممارسات الأخرى – هناك تزايداً ملحوظاً في استخدام ألفاظ وعبارات ذات ملامح مباشرة وغير مباشرة تندرج تحت خطاب الكراهية والتحريض بقصد أو بدون، والتمترس في شرعنة ذلك خلف حرية التعبير لهذا الفريق أو التذرع بواجب فرض القانون والنظام للفريق الآخر. اللافت أن هذا الخطاب ينتشر على نحو واسع بين الفئات الشابة والمتعلمة والمثقفة ويمارس من نخبة وقادة الفريقين، في سياق مأزوم يتكرس فيه قمع الحقوق والحريات العامة واستخدام أدوات بوليسية وترتفع فيه المؤشرات على اتجاه سريع نحو المنهجة وربما المأسسة للمشهد القمعي. إنهُ ليل فلسطين الطويل.

بالتأسيس على تلك الحقيقة واستشراف مآلاتها الكارثية، هناك حاجة سريعة لتبني مقاربة أولى قوامها رفع المسؤولية لدى المتفاعلين في الحيز العام، عبر تعزيز رقابتهم الذاتية على خطابهم، وإعادة الاعتبار للأصوات الحكيمة، دون أن ينتقص ذلك من الأهمية القصوى والمزمنة لمعالجة الأسباب التي قادت إلى هذه الحالة، وأولها: شعور جيلٍ كامل أنه على الهامش، وأن المتن ومعه الوطن ملكٌ ” للبُسْطار الأمني “.

الشباب على الهامش والعواجيز في المتن: خطيئة التهميش

الناظر في الخارطة المجتمعية الفلسطينية اليوم، ما بين القمة والقاع، سيجد عواجيز في القمة، القمة الرسمية، القمة المدنية والأهلية، القمة الأكاديمية، وكل القمم، في تجلٍ لطبقية راسخة معيارها السن، بهذا يمكن اختزال الكفاءة والخبرة والمعرفة والحكمة. وفي المشهد الأدنى شباب كفؤ على امتداد واسع يحاول تلمس طريقه وسط الضباب والإحباط المنتشر.

 تبدو هذه البلد مثل “عمارة” سكنية توشك على الانهيار على كل من فيها، والكل عالق، لا يستطيعون إيقاف الانهيار ولا الخروج منها 

نعيش هنا، أي في فلسطين، في العام 2020 سيء الصيت والطالع واحدة من أصعب السنوات، لقد كانت سنة صعبة على العالم، لكنها أصعب علينا بحكم المهددات المتقاطعة. تتعالى مهددات وجودية في كل السياقات، من الناحية السياسية هناك “صفقة القرن” يرافقها “مخطط الضم” الذي يسعى من خلاله تحالف اليمين “نتنياهو – بني غانتس” لتحويل الاحتلال من مؤقت لدائم، وشرعنة سرديات القوة، عبر حكومة أطلقت عليها أوساط إسرائيلية (حكومة الفساد والضم) برؤية استعمارية عنصرية تراكم في سجل الانتهاكات ضد المدنيين الفلسطينيين، بدءًا بالقتل والإعدام الميداني، مرورًا بتقييد الحق في الحركة ومنعه، وليس انتهاءً بهدم منشآت الفلسطينيين أو مصادرتها أو إخلائها منشآت رسمية وتعليمية وترفيهية ودينية وسياحية وطبية وزراعية وتجارية وصناعية، من مركز لعلاج مصابين فايروس كورونا إلى حفر امتصاصية، في عام يستحق بجدارة أن يطلق عليه “عام الجرافات”. وهي انتهاكات مرشحة للارتفاع مع تزايد وتيرة إنفاذ اليمين خططه في ضم أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية، طبعًا، ضم الموارد لا السكان.

أما على المستوى الاجتماعي، يتراجع السلم الأهلي وتنتشر فوضى السلاح، جرائم قتل ضد نساء وأطفال وآخرين، ذكور يسقطون ضحايا لشجارات تستخدم فيها الأسلحة، عدا عن ضحايا إطلاق النار في الأعراس والمناسبات، بالرغم من التناقض الإشكالي بين الفوضى والفلتان الأمني من جهة وانتشار الأجهزة الأمنية المكثف غير المسبوق من جهة أخرى، نتيجة تفشي فايروس كورونا، وهو تهديد صحي يمكن اعتباره ثالث الأزمات المهددة تعاني الأطر الرسمية في ضبطه لعوامل متعددة لا مجال لذكرها، ليس أقلها غياب السيطرة على المعابر وحركة العمال، وليس أكبرها ثقافة مشككة في وجود الفايروس تستقي من نظرية “المؤامرة” وتنتشر وينتشر معها الفايروس أمام تشوه أو انكسار بات يمكن تلمسه بوضوح يصيب الوعي الجمعي. 

وكورونا مصائبها لا تأتي فرادى، تضرب الجائحة الاقتصاد الفلسطيني الهشّ أساسًا والذي يعاني تحت وطأة اقتطاع أموال المقاصة في مقتل، قطاع رسمي عاجز عن دفع الرواتب بانتظام، وقطاع خاص عاجز ومشلول عن دفع الأجور والتوظيف، وتضاعف غير مسبوق لنسب الفقر والبطالة، وفوق كل ذلك، قطاع أهلي يترنّح من أزمة التمويل سيما بعد جدلية التمويل الأوروبي المشروط الذي يأتي في سلسلة ممتدة من الضغط على المؤسسات الأهلية الفلسطينية كنتائج لمقدمة رئيسية هي التحريض الإسرائيلي على آخر القلاع الرقابية بعد حل البرلمان الفلسطيني تتويجًا لتعطيله الأسبق، ومظلة القيادات المحلية التي قد تحول دون أي “أسرلة” إن غابت القيادة الرسمية والحزبية أو جرى تغييبها، ومصدر “وجع الرأس” الحقوقي للسلطة القائمة بالاحتلال في المحافل الدولية والمنصات الحقوقية. 

لا تبادر أي جهات رسمية أو حزبية أو مدنية لوضع بديل وحلحلة المشهد، في سياق يغلب عليه رد الفعل العشوائي الانفعالي العابر

أمام كل هذا المشهد المعقد، والذي يزيد من تعقيده الشعور المتزايد في الشارع الفلسطيني بانتشار ممارسات الفساد، وقمع الحريات العامة، لا تبادر أي جهات رسمية أو حزبية أو مدنية لوضع بديل وحلحلة المشهد، في سياق يغلب عليه رد الفعل العشوائي الانفعالي العابر في أحسن الأحوال أو الاكتفاء بلحظة ترقب مريبة للانهيار ومراقبة صامتة لهذا التداعي العريض، وبكثير من الإحباط يحاول جيل شاب متعلم وحيوي ولد في زمن الانقسام الرديء وعاش ويعيش فيه، ولم يمارس حقه بالانتخاب أو المشاركة السياسية أو تولي المناصب العامة الاستمرار. 

إحصائيًا تقول أرقام العام 2020 التي لم يعد هناك من يسعى لتحليلها، إن 22% من المجتمع الفلسطيني من الفئة العمرية (18-29) سنة، بعدد يبلغ 1.14 مليون. وأن 72% من الأسر الفلسطينية لديها شاب واحد على الأقل، وأن نصف الشباب ليسوا في دائرة العمل أو التعليم/التدريب، وأن البطالة تقترب من 40% بين الشباب وتتمركز بين حملة الدبلوم المتوسط فأعلى، مؤشرات تتناقض مع نسبة أمية شبه متلاشية تصل إلى 0.7% وهي نسبة تقارب – للسخرية – نسبة الشباب الفلسطينيين العاملين في مراكز صنع قرار، سواء كمشرعين أو موظفي إدارة عليا والتي تبلغ 0.9% في فجوة مع حضور الديمغرافيا الطاغي ومع منطق التنمية والتغيير والنهوض. 

تاريخيًا، الثقافة الذكورية لم تقمع النساء فحسب، بل الأصغر سنًا، مرتكزة على شعارات تمييزية ضاربة في العقل الجمعي “اسكت خلي الكبار يحكوا”. وكثيرًا تقول الأرقام دون أن تجد الآذان التي تسمع قولها. 

 المشكلة ليست في إيجاد الحلول بل في إنفاذها، وأن أزمة الإنفاذ هي أن العواجيز في المتن يتسيدون الأفق ويسدونه والشباب على الهامش 

على طاولة بعيدة في مكان عام بمدينة رام الله، جلس خمسة شباب، تصادف أنهم من القطاع الرسمي (المدني والأمني) والخاص والأهلي، ناقشوا قضايا البلد وتفاعلات أزمتها، ناقشوا الحلول والرؤى الممكنة للتغيير والسيناريوهات، واتضح لكل منهم أن المشكلة ليست في إيجاد الحلول بل في إنفاذها، وأن أزمة الإنفاذ هي أن العواجيز في المتن يتسيدون الأفق ويسدونه والشباب على الهامش، دون أن يقرأ العواجيز إما لعدم الرغبة و/أو لعدم القدرة مؤشرات تململ الشباب من هذا البقاء الإجباري في الهامش، صحيح أنه قد لا يمكن التنبؤ بالتغيير، لكن جذوره تمتد عميقًا ولن يطول الوقت قبل أن تظهر. 

تبدو هذه البلد مثل “عمارة” سكنية توشك على الانهيار على كل من فيها، والكل عالق، لا يستطيعون إيقاف الانهيار ولا الخروج منها. لعل شبابها ينتظرون الانهيار كي يمارسوا إعادة البناء عبر الهدم – إن نجوا – فالأقوى من يصنع لحظة الحاضر، لكن الأفضل من سيصنع لحظات المستقبل.

من هو المجتمع المدني.. كي لا تستمر الخيبات

إذا كنت تقرأ هذا المقال للوصول إلى إجابة ينصحك كاتبه أن تقلب الصفحة ولا تضيع وقتك، ذاك أنه يعتقد أن طرح السؤال حرية فوضوية فكرية أهم من الجواب القيد والنظام واكتمال الصورة، ولعل هذه طريقة لفلسفة العجز عن الوصول إلى نتيجة وتبرير له بغلاف المعنى، فليكن.. لكن الإجابة ليست بسيطة كالسؤال، كيف تكون وأصعب الأسئلة هي تلك التي تبدو الإجابة عليها سهلة للدرجة التي لا تستحق فيها طرح السؤال التسطيحي على الرغم من وجوديته، من نحن؟ ماذا نريد؟ ماذا نفعل هنا؟ أما السؤال المدني الجدل والوجودي في حيز أضيق من الإنساني – أي العنوان – فيزداد اتساعا كلما فكرت فيه كهاوية، وهو ما يحتاج منك العودة للصيرورة التاريخية للإمساك بحذر بأطراف مقاربة الإجابة قدر المستطاع.

في الحالة الفلسطينية التي ليست كشيء قياسا مع غيرها من الحالات، المشبعة بالتعقيدات والتسارعات المتفاعلة في واقع دينيماكي التحول يكاد يُسقط كل ثابت، قاد المجتمع المدني الشعب الفلسطيني عبر مراحله النضالية في معاركه الوجودية التناقضية مع الاستعمارات، مؤسسات أقدم من تأسيس السلطة الوطنية وحتى منظمة التحرير وسابقة بسنين طويلة لتاريخ استحداث المؤسسات الفلسطينية الرسمية الهشة التي لم تنجح حتى الآن في مأسسة نفسها وغرس جذورها بصلابة، مجتع مدني أبعد من الدولة وأعمق وأكثر قدرة على البقاء في صراع البقاء المستمر، شكل أطر قيادية بديلة وطريقة المدنيين الفلسطينيين في استحداث ممثليهم وشعورهم بالذات الوطنية المهددة.

لكن الثمانينات وما بعدها شكلت نقطة التحول الأبرز في الهوية والممارسة المدنية، لقد نقل منظري اليسار الراديكالي تجاربهم الحزبية الفاشلة للمؤسسات التي أطلقوها، وكانت تلك طريقتهم في إيجاد مكان لهم تحت سماء أوسلو بعد أن غابت شمس الشيوعية، مرة وللأبد، وكلما كانت الأحزاب تغيب في الظل كان غيابها ذاته من يغذي مؤسساتها، باعتبارها أداة الحزب المتبقية، وهكذا ومع الوقت حلت المؤسسة مكان الحزب والممول مكان الأيدلوجيا والمكتب مكان المطرقة والمنجل، لكن الذي لم يتغير القدرة المذهلة على الرفض المبدئي ثم التفكير، لا العكس، فالأصل في الموقف وأي موقف قول لا ومن ثم يمكننا أن نفكر في صوابية الرفض من عدمها.

في نقد النقد، تبدو التركيبة الأوسع اليوم واضحة، يحتفظ فيها كل بموقعه ويتموضع في ضلع ما، الضلع الأول: الإسلاميين واليمين الأيدلوجي في رياض الأطفال والمدارس والجامعات والمساجد، هناك حيث يتشكل الوعي التهديد، الرافض للآخر والمنتفخ بالذات مالكة الحقيقة المطلقة، ويتأهب للمعركة، الضلع الثاني: المؤسسات الرسمية وصناعة القرار ورسم السياسات والاستراتيجية والحكم حيث فتح، وعلى الهامش اليسار في أصغر الأضلاع وآخرها يمارس هوايته الأزلية بالنقد واللا الرافضة دون بديل، اللا التي هي ذاتها صارت الغاية عبر مؤسسات المجتمع المدني – أدوات الحزب الجديدة – التي أفرزتها متطلبات الثمانينات وما بعدها.

مع الوقت تحول المثقفين إلى نخب، فئة متقوقعة على ذاتها منعزلة عن الشارع وأبعد عن الجماهير، تستخدم اسم الجماهير وليست منهم، نخب يقتلها اسمها ومن الأسماء ما قتل، وبدل أن تعمل على تفتيت الطبقة أعلنت عن نفسها طبقة بديلة للطبقة، تنحاز للفقراء وتُسيد نفسها عليهم، أخفض من الحكم وأعلى من الفقير في المنتصف من الهرم، يتسيد عليهم رجل الحكم فيعلنون أنفسهم سادة الفقراء، في سلسلة قهر طويلة، لقد نسيت الطبقة المستحدثة أن الفقير، ذاك الذي يراها من الشارع وهي في مكاتبها، يراها طبقة ولا يهمه أكان خطابها معه أم عليه، فما قيمة الخطاب في وجه الفعل السلبي وزمن المصالح الصامتة؟

من هو المجتمع المدني، ذاك سؤال الحاضر الفارض لنفسه بوقاحة ملحة، الحاضر الذي لا يوجد فيه برلمان منتخب وينتمي كاتب هذا المقال لجيل يكاد ينسى معنى أن تكون ناخب، تسترجع الذكرى كشريط بعيد من زمان آخر غير هذا الزمان، شيء ضبابي حدث في البعيد، أو كتنظير تسمع عنه ولا تمارسه يجري في مكان آخر لشباب بلد آخر، الحاضر الذي يعاني الشارع فيه من إحباطه الأكبر ربما على مدار عقود، الحاضر الذي فقدت الأحزاب فيه هيبتها وقدرتها على الحشد والتجنيد والتعئبة وتقديم الخطاب وتحريك الشارع، والحاضر الذي دُفع فيه الشباب إلى زوايا المقاهي وأفق منصات التواصل الاجتماعي الأوسع من فقاعات المدن وأعلنوا إلحادهم بكل الزعامات عبرها، والذي يبدو فيه السؤال ملحاً أكثر من أي وقت مضى، من هو المجتمع المدني؟ بديل للدولة؟ عدو لها؟ دكاكين؟ أجندة ؟ معارضة؟ نخبة ؟ أم شريك؟
كان من المفترض للمجتمع المدني أن يكون مبدأيا وموقفياً وإن بشكل براغمياتي، لكنه صار برامجياً ينتفخ بهم أكبر، لا  مصلحة الناس المهمة، بل التمويل، تلك الجملة الذهبية لتبرير ما لا يمكن تبريره وتحويل البوصلة عن كل هدف وغاية، مواقف متناقضة ومتغيرة ومتبدلة بمرونة متخبطة لا تعكس أي رؤية، وفهم صفري للعبة بين مكونات ذات المجتمع المدني، الرقعة بين الآنا والآخر إما أنا وإما هو، في توليفة مولدة لقناعة متوهمة عن تضارب مصالح وهم، “نجاحه فشل لي وفشله نجاح لي” ويا للغرابة حين يكون كلاهما يقاتلان لنفس الهدف والمنطلقات، توليفة تمزق المجتمع المدني من الداخل كما لا ينجح أي شيء آخر في أن يفعل.

لم تنجح محاولات الأطر الرسمية السيطرة عليه، ولا تعديلات تشريعية وتضييق في البيئة القانونية، ولا سعي الاحتلال لإغلاقه وملاحقة نشطاءه، ولا الراصد الإسرائيلي الذي يقدمه للأوربيين أنه لا سامي ويراقبه عن كثب ويتصيد له ما يخطئ ما لا يخطئ فيه من عين السامية المتوسعة، ولا شُح التمويل، شيء وحيد فقط من الممكن له تدمير المجتمع المدني، هو المجتمع المدني نفسه، في لعبة يبدو فيها زر التدمير الذاتي الخيار الوحيد الممكن  لإنهاءها.

بعد عشر سنوات من انخراطي في المجتمع المدني وكواحد من أصغر نشطاءه، ما زال السؤال نفسه يتكرر، من هو المجتمع المدني؟ ولعل الإجابة الممكنة، هو نحن، هو كلنا، بخطايانا قبل صوابنا، وضعفنا قبل قوتنا، وإنسانيتنا قبل مبادءنا، لكنك لا تملك الأخلاقية أن تطلب من أحد غيرك أن يكون أفضل ما لم تكن كذلك، ولأن غروب مرحلة لطالما كان في ذهني إشراق أخرى، وانحسار ظاهرة ولادة جديدة لأخرى، مخاضنا القادم يجب أن يكون جبهة مدنية هي الأعرض في تاريخنا الحديث تنطلق من مرجعية الحقوق والحريات المدنية، ومن مصلحة المواطنين، تتجاوز أحزابها ورموزها، وتنتمي للمهمشين وتعيد لهم الثقة، وتسد الفراغ الذي تركه غياب البرلمان المنتخب وأي انتخابات حتى عودتها – إن عادت –  بالذات مع غياب الخطاب والرموز والهياكل الحزبية، جبهة مدنية تعيد تعريف النخب، كل النخب، وتتفق على المرجعيات، وعلى دستور العمل المدني، وننطلق في هدف واحد، إصلاح النظام السياسي، أو نضغط زر التدمير الذاتي، وننتظر جيل آخر.

فتح التي ترقص على حبل «العشيرة» ويشنقها.. الانتخابات الفلسطينية

سيكون فاعلًا. بهذا الوصف يمكن اختزال الدور المتوقع أن تلعبه العشائر في الانتخابات البرلمانية – إن صارت – وتكثيفه. تتزايد المؤشرات أن العقل الجمعي الفلسطيني عُزَّز تشكيله بحيث يتموضع فيه الذَكر المسلم البالغ المغاير جنسيًّا كأعلى شخص في الهرم المجتمعي. سيده ويتربع عليه ويحدد حقوق وامتيازات من هم أقل منه في الهرم- السلسلة ومن ضمنها حق الحياة.

وهذا، وإن كان جزءًا من سردية طويلة مُرَّة تفاعلت في سياقها المكاني والتاريخي والهوياتي اللغوي والديني، فإن ترسيخه فعال للغاية مؤخرًا. وهي موضعَة أهم ما تعنيه أن الشباب الأصغر سنًّا، والنساء، والكفاءات غير الشعبوية، والأقليات بما فيهم الدينية، والنخب المدنية، هم من الآن خارج اللعبة.

العلاقة الرعوية – المصلحية مع «العشائر» قديمة جديدة، إذ لم يكن الموضوع العشائري بعيدًا عن السلطة منذ تأسيسها، ولا حتى عن منظمة التحرير الفلسطينية. أَنشأت المنظمة بقرار من المجلس الوطني رقم 924/م/912 في 22/1/1979 الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح. لاحقًا لذلك، سارعت المنظمة إلى ضم عدد من القادة العشائريين إلى المجلس الوطني الفلسطيني كنوع من الشرعية والتمكين للمنظمة لا لقادة «العشائر». أما بعد تأسيس السلطة فقد صدر مرسوم رئاسي رقم 4557 تضمن إنشاء إدارة شؤون العشائر وأتبعها مباشرة بمكتب الرئاسة بتاريخ 14/9/1994، والتي ألحقت بعد ذلك برئاسة الوزراء ثم بوزارة الداخلية كأحد الإدارات العامة المعتمدة في هيكلية الوزارة.

ظل النظام السياسي وفيًّا لهذه العلاقة ومحترمًا لها، وفي حالات متعددة برز حجم الترابط العضوي بين الطرفين. سواء بحالة الحياد تجاه الخطاب العنيف الصادر عن تحالف «العشائر – حزب التحرير الإسلاموي» ضد المؤسسات المدنية والحركة النسوية واختيار الصمت ضد الكراهية المنظمة، أو برعاية التدخل العشائري واستدعائه عند وقوع جرائم عنف متفرقة، والذي يتبعه معاملة قرار الصلح العشائري معاملة الحكم القضائي واجب التنفيذ، بمعزل عن مدى عدالته أو احترامه لمنظومة حقوق الإنسان؛ إذ تشكل عمليات الإجلاء انتهاكًا هائلًا وتعيد للذاكرة التهجير المتكرر في السردية الفلسطينية. كما تطورت العلاقة لأبعد من ذلك حين دُفعت عطوة «أمنية» لعائلة مواطن قتل بالخطأ على يد الشرطة أثناء شجار. كان بارزًا دعوة د. محمد اشتية رئيس الوزراء العشائر للمساعدة في جهود الحد من انتشار فيروس كوفيد–19.

بالعودة للانتخابات، تعني خريطة التوازنات الحالية لحركة «فتح» المتربصة والتي تمثل الشعبوية الفلسطينية وتعرف من أين تؤكل الكتِف، أن وجهاء العشائر المحليين المحسوبين على الحركة والذين شاركوا حزب التحرير الإسلاموي المتطرف في المعركة ضد النسوية وقضايا أخرى ذات علاقة بالشأن المجتمعي العام مثل «واقعة مقام النبي موسى» ونسجوا مع الحزب علاقات متينة أو تقاطعوا معه فكريًّا على مشترك التقاء اليمين باليمين، قد يكونون جزءًا من خيارات الحركة الانتخابية، إذ لا طريقة مضمونة وأبسط لجذب الأصوات في الجنوب الفلسطيني، في «الخليل» حيث أكبر مخزون تصويتي على مستوى المحافظات.

الراقصون «الفهلويون» على حبل «العشيرة» لا يقرؤون التاريخ. لو كانوا يفعلون لعلموا أن الحبل المصيدة سبق وأن التف على عنق ورقاب كل من راقصه قبلهم وكسرها. من يستفيد من الآخر أكثر؟ سؤال كبير في حيز صغير سعى ويسعى فيه الاستعمار منذ لحظة حضوره الطويل والعنيف الأولى إلى خلق قيادات محلية سقف مطالبها تحسين أوضاع السكان تحت الاستعمار، بديلًا عن الحركة الوطنية التي تطالب بالانعتاق الكلي منه. والبائس، أننا وصلنا إلى مرحلة نرى فيها نظامًا سياسيًّا يعامل نفسه بوصفه «عائلة»، بأبويته الجديدة وزبائنيته وتوظيفه على اعتبارات الولاء وغيرها من المظاهر التي يُقزم فيها ذاته، وبالمقابل عشيرة متضخمة تراكم في قوتها وترى في نفسها «دولة».

«الهَبرة» لدى المسيطرين على هذا النظام السياسي ووجوهه، آنية ومرحلية، وهي الفوز بالانتخابات، بأي ثمن وضمن أي تحالف، و«الهبرة» لدى «العشيرة» بعيدة وإستراتيجية، رأس النظام السياسي ذاته. اليوم جسر وغدًا بديل.

قريبًا، سنرى على منصة البرلمان، شوارب شيوخ عشائر أو لنقل بكثيرٍ من حسن الظن شوارب دعمتها شوارب شيوخ العشائر.
هلا بالرَبِع.. ودام عزَّك يا وطن.