عن هزيمة ترامب.. لا تبدأوا الاحتفال

المسألة الشعبوية لم تنتهي وربما لم تبدأ بعد معركتها الحقيقية لإعادة هندسة الكوكب، صحيح أن دونالد ترامب وجهها الأبرز خسر الانتخابات الرئاسية ولم ينجح في الوصول إلى ولاية ثانية لصالح منافسه الديمقراطي جو بايدن – دعكم من كونه عنيدًا وسيبقى مشاكسًا، ويعيش إنكارًا، ويتصرف كرئيس لفترة – لكنه في العمق حقق نصرًا كبيرًا، أجل لقد فعل.

ما كان يعتقد أنه غلطة تاريخية وهفوة وانحراف عن القيم الأمريكية وانتكاسة للديمقراطية عام 2016، يتأكد اليوم أنه ليس كذلك بحصول ترامب على أكثر من 70 مليون صوت، منها 8 ملايين أكثر مما حصل عليه في ولايته الأولى، بعبارة أخرى نحن أمام واقع مخيف فيه حوالي نصف الأمريكيين يثقون باليمين الأبيض الشعبوي وواجهته دونالد ترامب لقيادتهم نحو مصيرهم.

بقراءة المؤشرات، سيكون من المبكر جدًا وربما من الغباء الاحتفال بالنصر، إذ خلال أربع سنوات في البيت الأبيض، المكان الأكثر نفوذًا في العالم، تحول ترامب من شخص إلى حالة، ومن رئيس إلى أيدلوجيا، ومن ترامب الرجل إلى الترامبية النهج، درس أنصاره أدق تفاصيله بوفاء، واستلهموا منه حول العالم، ورأوا فيه البديل الغريب والمطلوب عن المؤسسة السياسية وأعراقها وتقاليدها المملة. إنه المخلّص، رجل «الكاوبوي» الأبيض اللامبالي، الفتى المتمرد، محتقر الجميع الذي يجرؤ على فعل ما لا يجرؤ بقية السياسيين الفاسدين على مجرد قوله في العلن بالنسبة لأنصاره.

أدرك ترامب هذا الولاء الأعمى له منذ اللحظة الأولى لوصوله للبيت الأبيض حين تفاخر قائلًا: قاعدتي الانتخابية مستعدة للتصويت لي حتى لو أطلقت النار على شخص في شارع بنيويورك، جملة قد يكون قصد بها الولاء، أو بالتورية والمواربة ما هو أبعد، فقاعدة ترامب مثله تحب استخدام الأسلحة في حسم نزاعاتها مع الآخر، والآخر هنا كلمة تُمطّ لتشمل كل ما هو غير أمريكي مسيحي أبيض مغاير جنسيًا.

في أحسن حالاته لا يعدو ما جرى عن كونه انتكاسة في الشكل للشعبوية، أما في المضمون فاليمين يصعد ويتقدم ويلتهم يوميًا مزيدًا من المساحات المشتركة والفضاءات المدنية ومعايير الحقوق وقيم الحريات، هذا زمان الانعزال والتقوقع على الذات، والشعور بالفوقية، والعودة للعرق، زمان يشبه ما قبل الحرب العالمية.

لننظر إليهم كيف ينتشرون: جونسون في بريطانيا، إردوغان في تركيا، مودي في الهند، أوربان في هنغاريا، بولسونارو في البرازيل، دوتيرتي في الفلبين، أوبرادور في المكسيك، يانشا في سلوفينيا، كلهم وصلوا لمراكز صنع القرار وينفذون سياسات اليمين التمييزية، والفوقية، والعنصرية.

والصاعدون في هذه الرحلة أكثر من الواصلين في أوروبا طليعة العالم الحر يعيد اليمين المتطرف رسم المساحات والاصطفاف ويهيئ نفسه لمعركة تولي زمام المبادرة، مارين لوبان في فرنسا، نوربرت هوفر في النمسا، وغيرهم. بطريقة ما، ينبغي أن ندرك أن الانتخابات الأمريكية لا تعد مجرد استفتاء على الترامبية، وإنما اختبارًا كبيرًا للشعبوية في جميع أنحاء العالم، وهي لم تفشل فيه تمامًا.

قد يشكل وصول بايدن ابن المؤسسة السياسية العريقة – الممل والتقليدي والمتوقع – بارقة أمل ونشيدًا نحو المستقبل للكثيرين، لكنه نشيد مبحوح حتمًا لن يكون قادرًا وحده على الصمود والمواجهة أمام ضربات مخالب دببة اليمين التي تتغذى على اليمين وتنتفخ. فبينما يعتقد الكثيرون أن ترامب قد قسّم البلاد، يعتقد آخرون أنه قد وحد كذلك العنصريين حول العالم وجمع شملهم.

والعنصرية في جوهرها قد تكون مشكلة غريزية – دون أن يُفهم من ذلك مدعاة لتبرير هذا السلوك القذر – بل أعني بذلك أن الشعور بالتفوق والانتماء إلى جماعة مميزة هو شعور حيواني إنساني أول، ساعدت صيرورة الحضارة والتطور الإنساني على إضعافه ببناء الجسور ومساحات الشراكة، لكن هناك من يحاول وبقوة العودة لتلك المرحلة البدائية كردة فعل انعزالية تبدأ وتنتهي من هوس الخوف من الآخر، للدرجة التي علينا أن نخشى فيها من أن تكون قمة المدنية ونهايتها هي العودة للبدائية.

يدرك الديمقراطيون – أو عليهم فعلًا ذلك – القوة الجارفة والحالة غير العابرة، وأن ترامب ليس آخر شعبوي، وإن كان الأول في عصر أمريكا الحديث الذي يصل إلى هذا المستوى الرفيع في مؤسسة الحكم، هذه هي رائحة الخوف التي نشتمّها من تصريحات بايدن حين قال هذه آخر فرصة لاستعادة أمريكا قبل أن يحدث ترامب تغييرًا أساسيًا في هويتها، لكن هل فعلًا لم يحدث ترامب ذلك التغيير بعد؟ لندع هذا السؤال في رسم المستقبل.

في قراءة الخسارة المستحدثة علينا قراءة الربح السابق، خرج الأمريكيون من منطقة الراحة الجمعية عام 2016 وصوتوا لغريب عن المؤسسة ومتمرد عليها بانتخابهم لترامب، لكنهم سرعان ما ارتدو إلى رغبة ونزعة تقليدية في رؤية شخص يتصرف بكلاسيكية وروتينية وهدوء أكبر ولا يثير التوتر بشكل دائم وعلى نحو متعب ومنهك للجميع، وهو أمر مشابه للحالة الإنسانية عند إحداث التغيير على المستوى الشخصي، تخاف منه، ثم تجربه، ثم تعود لنمطك القديم، لكن شيئًا ما يظل يدفعك نحو التغيير ومحاولته مجددًا.

أصاب فيروس كورونا ترامب صحيًا وسياسيًا أيضًا، الرجل الذي خلّف وما زال أضرارًا دائمة في المؤسسات الأمريكية، وزرع بذوره السامة في الحكم والشارع لسنوات طويلة قادمة، لم تبدأ الشعبوية معه حتى تنتهي معه. بقراءة الانقسامات في المجتمع الأمريكي لم يكن ترامب سببًا فيها بقدر ما كان نتيجة لها، إنه الحصاد المر للعنصرية الكامنة في وعي الحلم الأمريكي المشوه.

بعد أربع سنوات شديدة الرهبة، يريد الكثير من الأمريكيين ومعهم الملايين حول العالم التصديق أن الولايات المتحدة زعيمة العالم الحر على وشك بداية جديدة. لكن بينما يستعجل الجميع تنفس الصعداء، المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

العالم يتغير.. ونحنُ كذلك

بدا كل شيء عاديًّا في البيت الأبيض، حين شرعت إسرائيل، تلك السلطة القائمة بالاحتلال في حربٍ جديدة على قطاع غزة المحاصر، فعل إسرائيلي ركيزته الأساسية استهداف مساكن المدنيين بشكل واسع، عقوبةً جماعية للحاضنة الشعبية للمقاومة، وذلك أمام فشلها في مواجهة الفعل الفلسطيني المقابل المتمثل في إطلاق صواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى باتجاه أهداف إسرائيلية. العجوز جو، الذي وصل حديثًا للبيت الأبيض يبدأ بتطبيق القواعد التقليدية للسياسة الأمريكية القديمة فيما يتعلق بأزمات الصراع الأهم في الشرق الأوسط، تدخُّل متأخر وتعبير عن الاكتفاء بالتشديد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ودعم لوقف إطلاق النار يتزامن مع عرقلة صدور أي قرار من مجلس الأمن الدولي بشأن العدوان الإسرائيلي، إنه مشهد تقليدي دون أي جديد.

لكن سؤلًا جديدًا كان ينبثق من أروقة الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه بايدن وأوصله للرئاسة، وينمو تحت الرماد، شيئًا فشيئًا، كبر السؤال وأربك السياسة الرسمية للبيت الأبيض، ماذا عن حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم؟ لم تكن الخطورة في السؤال، بقدر ما كشفه من متغيرات جديدة داخل بيت حليف إسرائيل الأهم والأقوى، وهو ما عبر عنه بايدن في آخر اتصال له مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حين قال له:«الأمور في أمريكا تتغير. إذًا، أمريكا تتغير، ومعها يتغير العالم.

في 19 مايو (أيار)، طرح ديمقراطيون في مجلس النواب الأمريكي مشروع قانونٍ يسعى لحجب مبيعات أسلحة دقيقة التوجيه قيمتها (735) مليون دولار لإسرائيل. قاد جهود طرح المشروع النائبة الأمريكية من أصول فلسطينية رشيدة طليب وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، وهما إلى جانب آيانا بريسلي، الأمريكية من أصول أفريقية، وإلهان عمر الأمريكية من أصول صومالية، يشكلون «الترويكا» الرباعية التي نعتها ترامب بالعصابة وطالبها بالعودة من حيث أتت، والتي ترى في بيرني ساندرز مرجعيتها السياسية والأخلاقية في آنٍ واحد، إضافةً إلى نواب ديمقراطيين آخرين. أظهرت هذه الململة الديمقراطية تنامي التيار الأكثر ميلًا لليسار في داخل الحزب وتزايد شعبيته.

وهو ما كانت قد حذرت منه دراسة إسرائيلية ([1]) صادرة عن مركز «بيجن السادات» منذ قرابة عامين، قرأت واستشرفت النتائج التي حققها الجناح اليساري في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وخرجت بمخاوف من التأثير المحتمل لهذا الجناح على الانتخابات النصفية وعلى رئاسيات 2020 باعتباره جناح يتبنى مواقف معادية لإسرائيل وغير ملتزم بمصالحها، مطالبةً صناع القرار في تل أبيب الاستعداد لإمكانية أن يسيطر ممثلو اليسار على الحزب الديمقراطي مع كل ما ينطوي عليه هذا التطور من تداعيات بعيدة المدى على مستقبل العلاقات الثنائية. ذهبت الدراسة إلى مناطق أدق وأبعد بالقول إن تغُّلب من وصفتها «الناشطة اليسارية المتطرفة» ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز (28) عامًا على المخضرم جو كرولي (58) عامًا الذي يعد من أكثر المتحمسين لدعم إسرائيل، وفوزها بترشيح الحزب الديمقراطي عن مقاطعة كوين في ولاية نيويورك، يشكل نقطة تحول؛ إذ إن النتائج التي حققها ممثلو الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي قد تسفر عن فوز مرشح ديمقراطي يأخذ بعين الاعتبار مواقف هذا الجناح من إسرائيل. عامين بعد ذلك فقط، وقادت ألكساندريا التي باتت رسميًّا نائبة ديمقراطية، جهود مشروع قانون حجب مبيعات أسلحة دقيقة التوجيه لإسرائيل، وانخرطت ومعها فريق من النواب في ضغوط على إدارة بايدن لدفعها لاتخاذ موقف مختلف عن الموقف التقليدي للإدارات المتعاقبة من أي صراع ينشأ بين الفلسطينيين وإسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال.

كان موسم انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية عام 2018 لحظةَ إلهام لم ينتبه لها كثيرون، ومعركة تحدي وتحول فكري بين جيلين. لقد أدرك الديمقراطيون أنه يمكنهم الفوز فقط برسائل جريئة حول قضايا جدلية وحساسة وبسياسات تقدمية مختلفة عن السياسات الديمقراطية السائدة وبقوة ناعمة مدمرة وشبابية ترفض الحدود التقليدية للسياسات الديمقراطية، حفزها وصول اليميني الشعبوي دونالد ترامب للحكم وعداؤه العلني للأقليات.

في لحظةٍ فارقة، انطلقت محاولات جدية لإعادة تشكيل الحزب الديمقراطي قوةً معارضةً شرسة، فيها ليبرالية شديدة وجناح يساري جريء وعنيد، وهي القوة التي نجحت فعلًا في التغلب على ترامب لاحقًا.«لقد وضع الضغط جيلًا جديدًا من التقدميين الديموقراطيين والمواجهين على شفير التحول الكاسح، ليس بعيدًا عن الروح الوسطية لسنوات بيل كلينتون فحسب، بل ربما أيضًا عن ليبرالية باراك أوباما ذات التوجه التوافقي». ([2]) إذ بات من الممكن هز المؤسسة الحزبية الديمقراطية، وتدمير آلات الحزب القديمة التي كانت أضعف من منع الصعود اليميني القومي.

اعتمدت إستراتيجية إعادة تأهيل اليسار داخل الحزب الديمقراطي وتقويته رؤيةً طموحة للدفع بالحزب الديمقراطي أداةً فاعلة في مواجهة اليمين الشعبوي، على مقاربة ثلاثية من عدة أعمدة([3]):

1. إذا كان الجمهوريون واليمين بكافة فرقه يعتمدان على كتلة السكان ذوي البشرة البيضاء من أصول أوروبية، فإنه يجب علينا تجميع كافة الأعراق والقوميات الأخرى تحت راية اليسار، من الأمريكيين من أصول أفريقية وآسيوية ولاتينية.

2. إذا كان اليمين الجمهوري يعتمد على سرديات دينية مسيحية، فإن مخاطبة الجاليات العربية والإسلامية سوف يكفل حشد تلك الأصوات الانتخابية خلف اليسار الديمقراطي.

3. ضرورة لملمة باقي الأقليات السياسية أو المسيسة في هذه البوتقة وتشمل النسويات والمثليين والعابرين جنسيًا، وحتى الأفكار الخاصة بالمتغير المناخي والحفاظ على البيئة والطبيعة ونبذ أكل اللحوم والتحول إلى البرنامج الغذائي النباتي، وصولًا إلى دعاة حرية تدخين المخدرات وتعاطيها.

تطرف إدارة ترامب، وما عبرت عنه من مد قومي أبيض شكل المحفِّز الأساسي لبذرة هذا النهوض اليساري الكبير داخل الحزب الديمقراطي لبناء حائط صد أمام اليمين والشعبويين الجدد، والذي قد نشهد في حال استمراره ونموه ما يمكن أن نطلق عليه «ثورةً حقيقية لليسار» الديمقراطي.

يدرك بايدن أن تأمين النصر للديمقراطيين في أي انتخابات قادمة لا يمكن أن يتحقق دون دعم شباب الحزب والأقليات الذين يشكلون الجزء الأهم والفارق في قواعده الشعبية. خلال الحرب على غزة وجه 500 شاب من أعضاء حملة بايدن الانتخابية رسالةً له تردد صداها في مكتبه، جاء فيها: «بينما أمضى الإسرائيليون الليالي في الملاجئ، لم يكن للفلسطينيين في غزة مكانًا يختبئون فيه».

في مشهد دلالي آخر، بزغ خطاب غير مسبوق على مستوى النخبة السياسية الأمريكية، حين تحدث السيناتور بيرني ساندرز بلغةٍ جديدة عبر مقال رأي ([4]) نشرته «نيويورك تايمز» خلال الحرب الأخيرة على غزة والذي تسبب في جدل واسع، قال بيرني: «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها» جملة يرددها الساسة الديموقراطيون والجمهوريون على حدٍ سواء كلما تعرضت إسرائيل لهجوم صاروخي من قطاع غزة، إلا أن هذه الصواريخ لم تكن الشعلة الحقيقية للأزمة، السبب الحقيقي هو محاولة إخلاء سكان حي الشيخ جراح الذي يمثل ثمرة إستراتيجية صُممت من أجل تهجير سكان هذا الحي منذ سنوات، إخلاء حي الشيخ جراح من سكانه جزء من نظام أوسع يتسم بالاضطهاد السياسي والاقتصادي. من الصادم والمحزن بمكان أن الغوغائيين الذين يهاجمون الفلسطينيين في شوارع القدس لديهم تمثيل في الكنيست. الحركات المتطرفة لا تقتصر على إسرائيل لكن كان لها صديق في البيت الأبيض على مدار الأعوام الأربعة الماضية، ومقابل تلك الحركات هناك جيل يسعى لبناء مجتمعات على أسس الاحتياجات الإنسانية والعدالة السياسية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية والعالم. يجب أن نعترف بأن حقوق الفلسطينيين مهمة، وحياة الفلسطينيين مهمة».

أعاد كلام بيرني تسليط الضوء على نجاح معقول للأصوات الداعمة والذكية التي سعت للربط بين معاناة الفلسطينيين تحت الاستعمار الكولنيالي الاستيطاني من قبل الاحتلال الإسرائيلي – والذي صنفته «هيومن رايتس ووتش» مؤخرًا بوصفه نظام «أبرتهايد» ([5]) – وبين معاناة السود من العنصرية، سواءً في جنوب أفريقيا أو في الولايات المتحدة نفسها، والنضالات التي رفعت شعار «حياة السود مهمة»، بذلك للمرة الأولى قطاع مهم من الرأي العام الأمريكي يقف مع الفلسطينيين.

لندرك الفرق في ثلاثين عامًا، يمكننا الرجوع بالذاكرة إلى ما قاله المفكِّر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد ([6]) عام 1993:«يعلم الجميع أن من الصعب جدًا محاولة قول انتقادٍ للسياسة الأمريكية أو إسرائيل في وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، على عكسِ سهولة قول أشياء معادية للعرب كناسٍ وثقافة، وللإسلام كدين».

بشكلٍ أو بآخر. حدثَ تغيُّر جذريٌّ في جزء مهم من نقاش الصالونات السياسية الأمريكية عن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بظهور لغةٍ مختلفةٍ عن التي يستخدمها السياسيون الأمريكيون من الحزبين عادةً، وهو أمر لافت بالقدر ذاته الذي يلفت فيه الانتباه أن جزءًا من التغطية الإعلامية الأمريكية للمواجهات بين الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1948 والمستوطنين الإسرائيليين نقلت الأحداث باعتبارها حربًا أهلية تشبه احتجاجات السود التي قادتها حركة «حياة السود مهمة» في إشارة إلى أن إسرائيل تواجه أزمتها نتاج سنوات من التمييز والعنصرية. الربط بين النضالين والعنصريتين والضحايا، فكَّك الأرض الصلبة الداعمة لإسرائيل وسمح بهزها. جورج فلويد؟ حسنًا، والفلسطينيون أيضًا لا يستطيعون التنفس.

على الجانب الآخر، الطاقة التقدمية أثرت على داعمي إسرائيل بالقدر نفسه التي سمحت بالتحرك للمناهضين لسياساتها العنصرية، ومنهم آندرو يانج المرشح الديمقراطي السابق لرئاسيات 2020، والذي عبر في تدوينه له عن دعم إسرائيل في حملتها العسكرية ليتعرض لنقد كبير على منصات التواصل الاجتماعي، تلاه إيقافه من قبل محتجين غاضبين في نيويورك في ضغوط دفعته لنشر تدوينة أخرى يقر فيها أن الحفاظ على حياة الفلسطينيين ضروري أيضًا. خطوة صغيرة، من الممكن اعتبارها مؤشرًا على تحوُّل كبير إذا ما تم البناء عليه واكتمل.

لا أحد يشكك أن كثيرًا من الجهود ما زالت مطلوبةً لمعادلة كفة الدعم الأمريكي التقليدي الهائل لإسرائيل، وأن كمية هائلة من الخطوات باتجاه العدالة ما زالت صعبة التحقق، لكن ما يجري يعكس رمزية مهمة على تحول تعززه الاحتجاجات المناهضة للاحتلال في الشارع الأمريكي، في شيكاغو ونيويورك، والعاصمة واشنطن.

بطريقة مشابهة، شهد حزب العمال البريطاني تحولات فكرية، عبر نشوء تيار يساري ماركسي في الحزب، والتي بدأت مع انتخاب جيرمي كوربين عام 2015 رئيسًا للحزب، وهو من أكثر الأصوات السياسية البريطانية دعمًا لحقوق الفلسطينيين، صحيحٌ أن ما يمكن وصفه باليسار الليبرالي عاد لزعامة الحزب بعد انتخاب كير ستارمر، لكن كير نفسه لم يستطع تجاهل اليسار الماركسي في تشكيلته الوزارية لحكومة الظل، الأمر الذي يظهر وزن هذه القواعد. ودون التعمق في التفاصيل، درْس بريطانيا هو أن أي تجربة تحول أوروبية سياسية حزبية لمصلحة الفلسطينيين ليس بالضرورة أن تكتمل، أو أن يعد بدء التغير مسارًا ثابتًا سيستمر في التقدم، قد تتعرض التجربة لهجوم مضاد وتنتكس ما لم يتم تعزيزها والبناء عليها، والذي أساسه التفاعل مع التحولات هناك، من الطبقة السياسية البائسة هنا في الأرض المحتلة.

هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن الدور الفاعل لوسائل التواصل الاجتماعي، التي ساهمت في بروز جيل أصغر سنًّا، لكن معرفته الدقيقة حول ما يجري على الأرض في المنطقة أكبر من الجيل الغربي التقليدي وأكثر ديناميكية منه. تبذل إسرائيل جهودًا هائلة لاستعادة صورتها ومحاصرة الرواية الفلسطينية في الحيز الرقمي الذي جعل إمكانية التستر على جرائمها مسألة صعبة للغاية. يتلاقى هذا النضال الرقمي مع نضال وضغط شعبي آخر نواته الأساسية المظاهرات الضخمة في العالم الحر على الأرض وفي الميادين.

أخيرًا، من المفيد الإشارة إلى أن الفلسطينيين يتغيرون كذلك وإن كان ببطء شديد وضمن تحديات مهولة، أو على الأقل هناك محاولات جدية يتم بذلها – على مستوى الشارع لا الهرم – لانبثاق شيءٍ ما جديد، شيءٍ ترتسم معالمه مع الوقت في كل الأرض المحتلة ما بين النهر والبحر يتجاوز التقسيمات الجيوسياسية السائدة والطبقة السياسة ومشروعها الوطني الفاشل.

خلاصة القول، أننا أمام مركز قوى يتغير، وقوة ظلٍّ ضاغطة تتشكل ببطء، وكي لا يكون هذا تفكير بواسطة الأمنيات، وإدراكًا بأن هذا التحول ما زال في بداياته، ولم تتضح بعد الجهة التي سيمضي صوبها أو ما إذا كان سيتم الالتفاف عليه مبكرًا، واعترافًا بأن العلاقات والمصالح المشتركة بين الفلسطينيين والولايات المتحدة لا تصمد في أي مقارنة مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية، لنقل أننا من المؤكد لم نعد ننحدر نحو الهاوية، لكن السؤال الذي يبقى مجهولًا هو معرفة ما إذا كنا سنكسب شيئًا من ذلك أم لا.