من هو المجتمع المدني.. كي لا تستمر الخيبات

إذا كنت تقرأ هذا المقال للوصول إلى إجابة ينصحك كاتبه أن تقلب الصفحة ولا تضيع وقتك، ذاك أنه يعتقد أن طرح السؤال حرية فوضوية فكرية أهم من الجواب القيد والنظام واكتمال الصورة، ولعل هذه طريقة لفلسفة العجز عن الوصول إلى نتيجة وتبرير له بغلاف المعنى، فليكن.. لكن الإجابة ليست بسيطة كالسؤال، كيف تكون وأصعب الأسئلة هي تلك التي تبدو الإجابة عليها سهلة للدرجة التي لا تستحق فيها طرح السؤال التسطيحي على الرغم من وجوديته، من نحن؟ ماذا نريد؟ ماذا نفعل هنا؟ أما السؤال المدني الجدل والوجودي في حيز أضيق من الإنساني – أي العنوان – فيزداد اتساعا كلما فكرت فيه كهاوية، وهو ما يحتاج منك العودة للصيرورة التاريخية للإمساك بحذر بأطراف مقاربة الإجابة قدر المستطاع.

في الحالة الفلسطينية التي ليست كشيء قياسا مع غيرها من الحالات، المشبعة بالتعقيدات والتسارعات المتفاعلة في واقع دينيماكي التحول يكاد يُسقط كل ثابت، قاد المجتمع المدني الشعب الفلسطيني عبر مراحله النضالية في معاركه الوجودية التناقضية مع الاستعمارات، مؤسسات أقدم من تأسيس السلطة الوطنية وحتى منظمة التحرير وسابقة بسنين طويلة لتاريخ استحداث المؤسسات الفلسطينية الرسمية الهشة التي لم تنجح حتى الآن في مأسسة نفسها وغرس جذورها بصلابة، مجتع مدني أبعد من الدولة وأعمق وأكثر قدرة على البقاء في صراع البقاء المستمر، شكل أطر قيادية بديلة وطريقة المدنيين الفلسطينيين في استحداث ممثليهم وشعورهم بالذات الوطنية المهددة.

لكن الثمانينات وما بعدها شكلت نقطة التحول الأبرز في الهوية والممارسة المدنية، لقد نقل منظري اليسار الراديكالي تجاربهم الحزبية الفاشلة للمؤسسات التي أطلقوها، وكانت تلك طريقتهم في إيجاد مكان لهم تحت سماء أوسلو بعد أن غابت شمس الشيوعية، مرة وللأبد، وكلما كانت الأحزاب تغيب في الظل كان غيابها ذاته من يغذي مؤسساتها، باعتبارها أداة الحزب المتبقية، وهكذا ومع الوقت حلت المؤسسة مكان الحزب والممول مكان الأيدلوجيا والمكتب مكان المطرقة والمنجل، لكن الذي لم يتغير القدرة المذهلة على الرفض المبدئي ثم التفكير، لا العكس، فالأصل في الموقف وأي موقف قول لا ومن ثم يمكننا أن نفكر في صوابية الرفض من عدمها.

في نقد النقد، تبدو التركيبة الأوسع اليوم واضحة، يحتفظ فيها كل بموقعه ويتموضع في ضلع ما، الضلع الأول: الإسلاميين واليمين الأيدلوجي في رياض الأطفال والمدارس والجامعات والمساجد، هناك حيث يتشكل الوعي التهديد، الرافض للآخر والمنتفخ بالذات مالكة الحقيقة المطلقة، ويتأهب للمعركة، الضلع الثاني: المؤسسات الرسمية وصناعة القرار ورسم السياسات والاستراتيجية والحكم حيث فتح، وعلى الهامش اليسار في أصغر الأضلاع وآخرها يمارس هوايته الأزلية بالنقد واللا الرافضة دون بديل، اللا التي هي ذاتها صارت الغاية عبر مؤسسات المجتمع المدني – أدوات الحزب الجديدة – التي أفرزتها متطلبات الثمانينات وما بعدها.

مع الوقت تحول المثقفين إلى نخب، فئة متقوقعة على ذاتها منعزلة عن الشارع وأبعد عن الجماهير، تستخدم اسم الجماهير وليست منهم، نخب يقتلها اسمها ومن الأسماء ما قتل، وبدل أن تعمل على تفتيت الطبقة أعلنت عن نفسها طبقة بديلة للطبقة، تنحاز للفقراء وتُسيد نفسها عليهم، أخفض من الحكم وأعلى من الفقير في المنتصف من الهرم، يتسيد عليهم رجل الحكم فيعلنون أنفسهم سادة الفقراء، في سلسلة قهر طويلة، لقد نسيت الطبقة المستحدثة أن الفقير، ذاك الذي يراها من الشارع وهي في مكاتبها، يراها طبقة ولا يهمه أكان خطابها معه أم عليه، فما قيمة الخطاب في وجه الفعل السلبي وزمن المصالح الصامتة؟

من هو المجتمع المدني، ذاك سؤال الحاضر الفارض لنفسه بوقاحة ملحة، الحاضر الذي لا يوجد فيه برلمان منتخب وينتمي كاتب هذا المقال لجيل يكاد ينسى معنى أن تكون ناخب، تسترجع الذكرى كشريط بعيد من زمان آخر غير هذا الزمان، شيء ضبابي حدث في البعيد، أو كتنظير تسمع عنه ولا تمارسه يجري في مكان آخر لشباب بلد آخر، الحاضر الذي يعاني الشارع فيه من إحباطه الأكبر ربما على مدار عقود، الحاضر الذي فقدت الأحزاب فيه هيبتها وقدرتها على الحشد والتجنيد والتعئبة وتقديم الخطاب وتحريك الشارع، والحاضر الذي دُفع فيه الشباب إلى زوايا المقاهي وأفق منصات التواصل الاجتماعي الأوسع من فقاعات المدن وأعلنوا إلحادهم بكل الزعامات عبرها، والذي يبدو فيه السؤال ملحاً أكثر من أي وقت مضى، من هو المجتمع المدني؟ بديل للدولة؟ عدو لها؟ دكاكين؟ أجندة ؟ معارضة؟ نخبة ؟ أم شريك؟
كان من المفترض للمجتمع المدني أن يكون مبدأيا وموقفياً وإن بشكل براغمياتي، لكنه صار برامجياً ينتفخ بهم أكبر، لا  مصلحة الناس المهمة، بل التمويل، تلك الجملة الذهبية لتبرير ما لا يمكن تبريره وتحويل البوصلة عن كل هدف وغاية، مواقف متناقضة ومتغيرة ومتبدلة بمرونة متخبطة لا تعكس أي رؤية، وفهم صفري للعبة بين مكونات ذات المجتمع المدني، الرقعة بين الآنا والآخر إما أنا وإما هو، في توليفة مولدة لقناعة متوهمة عن تضارب مصالح وهم، “نجاحه فشل لي وفشله نجاح لي” ويا للغرابة حين يكون كلاهما يقاتلان لنفس الهدف والمنطلقات، توليفة تمزق المجتمع المدني من الداخل كما لا ينجح أي شيء آخر في أن يفعل.

لم تنجح محاولات الأطر الرسمية السيطرة عليه، ولا تعديلات تشريعية وتضييق في البيئة القانونية، ولا سعي الاحتلال لإغلاقه وملاحقة نشطاءه، ولا الراصد الإسرائيلي الذي يقدمه للأوربيين أنه لا سامي ويراقبه عن كثب ويتصيد له ما يخطئ ما لا يخطئ فيه من عين السامية المتوسعة، ولا شُح التمويل، شيء وحيد فقط من الممكن له تدمير المجتمع المدني، هو المجتمع المدني نفسه، في لعبة يبدو فيها زر التدمير الذاتي الخيار الوحيد الممكن  لإنهاءها.

بعد عشر سنوات من انخراطي في المجتمع المدني وكواحد من أصغر نشطاءه، ما زال السؤال نفسه يتكرر، من هو المجتمع المدني؟ ولعل الإجابة الممكنة، هو نحن، هو كلنا، بخطايانا قبل صوابنا، وضعفنا قبل قوتنا، وإنسانيتنا قبل مبادءنا، لكنك لا تملك الأخلاقية أن تطلب من أحد غيرك أن يكون أفضل ما لم تكن كذلك، ولأن غروب مرحلة لطالما كان في ذهني إشراق أخرى، وانحسار ظاهرة ولادة جديدة لأخرى، مخاضنا القادم يجب أن يكون جبهة مدنية هي الأعرض في تاريخنا الحديث تنطلق من مرجعية الحقوق والحريات المدنية، ومن مصلحة المواطنين، تتجاوز أحزابها ورموزها، وتنتمي للمهمشين وتعيد لهم الثقة، وتسد الفراغ الذي تركه غياب البرلمان المنتخب وأي انتخابات حتى عودتها – إن عادت –  بالذات مع غياب الخطاب والرموز والهياكل الحزبية، جبهة مدنية تعيد تعريف النخب، كل النخب، وتتفق على المرجعيات، وعلى دستور العمل المدني، وننطلق في هدف واحد، إصلاح النظام السياسي، أو نضغط زر التدمير الذاتي، وننتظر جيل آخر.